النفط والسيادة الاقتصادية ومستقبل الشراكة العراقية السورية..!
قاسم الغراوي
رئيس مركز الرقيب للدراسات والبحوث

لا تُقرأ زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق بوصفها محطة دبلوماسية عابرة، بل باعتبارها فرصة لإعادة صياغة جانب مهم من العلاقات العراقية السورية على أساس المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية المشتركة في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة تجعل من التعاون بين دول الجوار ضرورة لحماية المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار.
اقتصادياً يبرز ملف النفط في مقدمة الأولويات الاستراتيجية للزيارة ، فالعراق الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية يحتاج إلى تنويع منافذ تصدير نفطه وتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد على مسارات محددة ولا سيما في ظل التوترات الإقليمية واحتمالات تعطل طرق الملاحة.
ومن هنا تكتسب إمكانية إحياء خط النفط العراقي باتجاه بانياس على البحر المتوسط أهمية خاصة لما قد يوفره من منفذ إضافي للوصول إلى الأسواق العالمية.
لكن تحقيق هذه الفرصة يتطلب دراسات فنية واقتصادية دقيقة وتحديد كلف النقل والتأمين والتشغيل وضمان سلامة البنية التحتية واستمرارية التصدير.
فتنويع المنافذ لا يعني استبدال اعتماد بآخر، بل بناء خيارات متعددة تمنح العراق مرونة أكبر وقدرة أفضل على حماية إيراداته النفطية في أوقات الأزمات.
أما في مجال التجارة والاستثمار فإن العراق وسوريا يمتلكان فرصاً لتوسيع التبادل التجاري وتطوير النقل البري وتنشيط المعابر الحدودية وإقامة مشاريع مشتركة في الزراعة والصناعات التحويلية والطاقة.
ويمكن لهذا التعاون أن يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات العراقية وتوفير فرص العمل وتحويل الجوار الجغرافي من مجرد حدود مشتركة إلى مجال للتكامل الاقتصادي.
واستراتيجياً لا ينفصل التعاون الاقتصادي عن الأمن والسياسة، فاستقرار سوريا يرتبط مباشرة بأمن العراق ولا سيما في المناطق الحدودية، الأمر الذي يستدعي تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية ومكافحة الإرهاب والتهريب وضبط الحدود، ومنع استغلالها لتهديد أمن البلدين.
كما أن الحوار السياسي المستمر يساعد على إدارة الاختلافات وتنسيق المواقف تجاه التحديات الإقليمية على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وتبرز هنا أهمية أن ينتهج العراق سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع شراكاته وتجنب الارتهان لمحور إقليمي واحد وبناء علاقات تستند إلى المصالح المتبادلة.
فالعلاقات العراقية السورية يمكن أن تشكل جزءاً من رؤية أوسع لتعزيز الترابط الاقتصادي الإقليمي، شريطة أن تبقى المصالح الوطنية العراقية هي المعيار الأساسي في اتخاذ القرار.
ومع ذلك فإن الاختبار الحقيقي للزيارة لا يكمن في حجم التصريحات أو مستوى التفاهم السياسي، بل في القدرة على تحويلها إلى برنامج عمل واضح يتضمن اتفاقات محددة وجداول زمنية ومسؤوليات مؤسسية وآليات للمتابعة والتقييم مع توفير الضمانات القانونية والمالية اللازمة لتنفيذ المشاريع.
إن العراق بحاجة إلى دبلوماسية اقتصادية فاعلة تجعل من علاقاته الخارجية أدوات للتنمية وحماية السيادة لا مجرد مناسبات لتبادل المواقف.
وإذا نجحت بغداد ودمشق في ترجمة تفاهماتهما إلى مشاريع مستدامة في النفط والتجارة والزراعة والنقل والأمن، فإن نتائج ذلك لن تقتصر على البلدين، بل يمكن أن تسهم في دعم استقرار المنطقة وفتح آفاق جديدة للتعاون والتنمية.
فالسيادة الاقتصادية لا تتحقق بالشعارات وإنما بامتلاك البدائل وتنويع الأسواق والمنافذ وتعزيز الإنتاج وحسن إدارة الموارد وبناء شراكات تحمي مصالح الدولة وتعود بالنفع على المواطن .




