من شموخ صَبِر إلى بوابة المندب: دماء آل الجنيد ومعادلة السيادة والانتصار..!
عدنان عبد الله الجنيد ||

الشهيدان محمد رشاد الجنيد وعبدالله عبدالفتاح الجنيد.. تضحيات تعز في ميزان الجغرافيا والصراع مع قوى الاستكبار.
في مسيرة الشعوب التي اختارت طريق الحرية والسيادة، تتحول التضحيات إلى ذاكرة وطنية، وتغدو أسماء الشهداء شواهد على إرادة لا تنحني أمام التحديات. ومن هذا المنطلق، يأتي استشهاد البطلين محمد رشاد عبدالله عبدالغني الجنيد وعبدالله عبدالفتاح عبدالملك الجنيد في جبل كهبوب، ليجسد صفحة من صفحات التضحية اليمنية، ويربط بين الوفاء للشهداء والأهمية الاستراتيجية للجغرافيا اليمنية، من شموخ جبل صَبِر إلى بوابة باب المندب.
قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. وفي هذا المعنى تتجلى قيمة البذل حين يقترن بالإيمان والمسؤولية والدفاع عن الكرامة.
وتستحضر أسرة آل الجنيد، التي تشير إلى تجاوز عدد شهدائها أربعمائة شهيد، رصيدًا من التضحيات يستحق التوثيق وحفظ الذاكرة، بما تحمله كل سيرة من معاني الوفاء والانتماء والصبر.
كهبوب.. جغرافيا تتحدث بلغة السيادة
لا يمكن قراءة موقع جبل كهبوب بمعزل عن محيطه الجغرافي القريب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تتقاطع مصالح التجارة الدولية وحسابات الأمن الإقليمي.
فاليمن، بإشرافه على البحر الأحمر وخليج عدن، يمتلك موقعًا استراتيجيًا يجعل سيادته واستقراره جزءًا مؤثرًا في معادلات المنطقة.
ومن هنا، يكتسب الربط بين تعز والساحل الغربي وباب المندب أهمية سياسية وجغرافية؛ إذ تكشف هذه المساحة عن حقيقة أن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها وحدها، بل بقدرتها على حماية قرارها المستقل وإدارة مواردها وموقعها بما يخدم مصالح شعوبها.
أما جبل صَبِر، بشموخه وإشرافه الواسع على محيط تعز، فيمثل رمزًا بارزًا في الذاكرة الجغرافية والوطنية للمحافظة.
وهكذا تتلاقى رمزية الجبال مع أهمية البحر، لتؤكد أن الجغرافيا ليست مجرد تضاريس، بل عنصر من عناصر فهم الصراع والسيادة.
آل الجنيد.. ذاكرة تضحية ومسؤولية وطنية
إن استشهاد محمد رشاد الجنيد وعبدالله عبدالفتاح الجنيد يتجاوز حدود الفقد العائلي إلى ذاكرة المجتمع الذي يحتفظ بسير أبنائه وتضحياتهم.
غير أن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يتحقق بترديد الأوصاف وحدها، بل بتوثيق حياتهم ومواقفهم وشهادات من عرفوهو.
وفي ظل الصراع اليمني، تبرز تعز بوصفها إحدى ساحات التنافس السياسي والعسكري، حيث تتشابك الاعتبارات المحلية مع التدخلات الخارجية والمصالح الإقليمية. وتظل السيادة الوطنية، ورفض الوصاية، وحماية مصالح اليمنيين، قضايا جوهرية لا يمكن فصلها عن مستقبل البلاد واستقرارها.
من تعز إلى فلسطين.. وحدة الموقف وكرامة الشعوب
تتجاوز الأهمية الاستراتيجية لباب المندب حدود اليمن، نظرًا إلى ارتباطه بحركة الملاحة والتجارة العالمية.
كما تظل فلسطين حاضرة في وجدان الشعوب العربية والإسلامية بوصفها قضية تحرر وحقوق وطنية.
ومن هذا المنطلق، يرتبط الموقف اليمني المساند لفلسطين، في نظر أنصاره، برفض الهيمنة والتمسك بحق الشعوب في الحرية والاستقلال.
لكن تحويل التضحيات إلى مكاسب وطنية مستدامة يتطلب رؤية سياسية واعية، وتماسكًا اجتماعيًا، وقدرة على حماية المصالح الوطنية وتجنب استمرار دوائر العنف. فالجغرافيا تمنح اليمن أهمية استثنائية، أما استثمار هذه الأهمية فيحتاج إلى إرادة مسؤولة وقرار مستقل.
الخاتمة: العهد للشهداء وصون السيادة
من شموخ صَبِر إلى جبل كهبوب وبوابة باب المندب، تتجدد معاني الوفاء للأرض والإنسان.
وسيبقى الشهيدان محمد رشاد الجنيد وعبدالله عبدالفتاح الجنيد جزءًا من الذاكرة التي تستوجب الحفظ والتوثيق، فيما تظل مسؤولية الأحياء تحويل دروس التضحية إلى وعي وبناء وصيانة للكرامة الوطنية.
هنيئا وطوبا هذا الفضل من الله.
إن اليمن، بموقعه التاريخي والاستراتيجي، قادر على تعزيز حضوره حين تتكامل إرادة أبنائه مع الوعي السياسي وحماية السيادة. فالتاريخ لا تحفظه الشعارات وحدها، بل تحفظه الحقائق والمواقف والعمل الذي يصون كرامة الإنسان واستقلال الوطن.




