الاثنين - 26 اكتوبر 2026

هل تعلن العواصم الإقليمية نهاية عصر الوصاية الخارجية؟!

الاثنين - 26 اكتوبر 2026

مهند ال كزار ||

ماجستير علاقات دولية

 

مهند ال كزار

 

.

في تحول جيوسياسي لافت استضافت العاصمة الإيرانية طهران اجتماعاً أمنياً رفيع المستوى ضم كل من: إيران، السعودية، تركيا، وباكستان. لم يكن هذا اللقاء مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل جاء ليجسد لحظة مكاشفة أعادت رسم خطوط التماس مع المفاهيم التقليدية للأمن في الشرق الأوسط، وربما هو بداية تآكل المظلة الأمنية الخارجية وصعود خيار الأمن الذاتي الإقليمي.

أولاً :- طهران وكسر سياسة العزل الخارجية

إن اختيار طهران تحديداً لاستضافة هذا اللقاء النوعي يحمل أبعاداً رمزية عميقة، فقد اختارت العواصم الإقليمية أن تخترق جدار الحصار المفروض وتجلس وجهاً لوجه على المائدة الإيرانية، مستندة إلى إرث تاريخي وجغرافي متجذر، هذا الحضور المباشر قطع الطريق أمام محاولات التاّويل أو التشويش الخارجي، وسمح للأطراف بتفكيك خيوط اللعبة الأمنية بأوراقها الخاصة وبلغة الميدان، معلنة سقوط رهان العقود الماضية على عزل طهران أو حصر التعاطي معها من زاوية التهديد المطلق.

2. من أرامكو إلى خيبات التاريخ

تراكمت الشواهد التاريخية لتثبت لدول المنطقة أن الالتزامات الأمريكية والغربية مرتهنة حصراً للحسابات الحزبية والانتخابية، ولا تقدم أماناً مستداماً، مروراً بالخذلان الصامت إبان استهداف منشآت أرامكو عام 2019، وصولاً إلى الانسحاب الفوضوي من أفغانستان وتداعيات حرب غزة ولبنان، فقد أدركت العواصم الإقليمية أن الطرف الخارجي يرغب في إدامة التوتر دون تحمل فاتورته الاقتصادية واللوجستية المدمرة، هذا الإدراك أفرز قناعة بأن استقرار المنطقة وتأمين خطوط ملاحتها في مضيق هرمز وباب المندب لا يمكن أن يستورد من الخارج.

3. الملف اليمني وأمن الملاحة: نحو تصفير الأزمات وفك الارتباط

يحتل الملف اليمني ووقوقف الحرب الدائرة هناك مكانة القلب من هذا الحراك الإقليمي، فالسعودية الساعية لحماية رؤاها الاقتصادية وتنميتها الكبرى تدرك أن استدامة الاستقرار تقتضي إغلاق هذا الملف نهائياً بعيداً عن المناورات الأمريكية الرامية لزج المنطقة في أتون تحالفات عسكرية بحرية، وإن التنسيق المباشر بين الرياض وطهران بمشاركة تركيا وباكستان يهدف إلى ترسيخ تهدئة حقيقية تضمن رفع الحصار، وإنهاء الوجود الأجنبي في الممرات المائية، وتأمين سلاسل الإمداد العالمية التي باتت معلقة على صفيح ساخن.

4. صراع الإرادات بين رغبة التوظيف الأمريكي وعقبة نتنياهو

تواجه هذه الجهود تحديات هيكلية جسيمة، فالدوائر الخارجية وخطابات الحملات الانتخابية تسعى يائسة لتوظيف أي مسار تهدئة وتسويقه كـ انتصار وإكراه للخصوم، بينما تقف حكومة نتنياهو حجر عثرة تسعى باستماتة لجر المنطقة نحو انفجار شامل يعيد تعويم أزماتها، في المقابل تتمسك الأطراف الفاعلة وفي مقدمتها طهران وصنعاء بمعادلة واضحة، لا تهدئة مجانية ولا استقرار منقوص بلا ضمانات جذرية تنهي الحروب والحصار وتحترم سيادة الإقليم.

إن الاجتماع الرباعي في طهران ليس مجرد استجابة مؤقتة لأزمة طارئة، بل هو إعلان عملي عن ولادة واقعية سياسية جديدة في الشرق الأوسط، تدرك فيها دول الإقليم أن تكلفة المواجهة المفتوحة ستأكل الأخضر واليابس في اقتصاداتها، وأن استقرار الممرات البحرية وحماية التنمية لا يتحققان عبر بوارج الأساطيل الأجنبية، بل عبر طاولة حوار إقليمي مباشر ومستقل يدير الخلافات ويصنع الأمن الذاتي بمعزل عن إملاءات البيت الأبيض وحسابات تل أبيب.