الاثنين - 26 اكتوبر 2026

د. ليث الخزعلي: من العمل الأكاديمي إلى موقع القرار الخدمي..!

منذ 3 ساعات
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

فراس علي الهاشمي ||

 

 

 

حين انتقل الدكتور ليث الخزعلي من الفضاء الأكاديمي إلى منصب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات، لم يبدأ من الملفات السهلة أو الظاهرة إعلامياً، بل اختار ملفين مزمنين يمسّان حياة المواطن مباشرة: الطريق الحلقي الرابع، وتحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية وتطويبها.
هذا الاختيار أعطى انطباعاً مبكراً بأن الرجل لا يبحث عن حضور شكلي، بل عن أثر تنفيذي. فالملف الأول يتعلق بحركة بغداد وخنقتها المرورية، والملف الثاني يتعلق بحق المواطن في سكن آمن موثّق، بعيداً عن العشوائية والنزاع.
أولاً: الطريق الحلقي الرابع… من تصميم على الورق إلى قرار تنفيذي
الطريق الحلقي الرابع ليس مشروعاً عادياً؛ فهو يمتد بطول 94 كم حول بغداد، وبعرض 100 متر، ما يجعله شرياناً استراتيجياً لإعادة توزيع حركة المرور، وتخفيف الضغط عن مركز العاصمة، وفتح مجالات للتوسع العمراني المنظم.
المشكلة القديمة لم تكن في غياب التصاميم، فقد أُكد رسمياً أنها مكتملة، بل في التعارضات مع شبكات النفط والكهرباء والاتصالات الضوئية، وأملاك دوائر الدولة، إضافة إلى تعقودات إدارية عطّلت التنفيذ لسنوات.
هنا برز الأسلوب المختلف للدكتور ليث الخزعلي؛ إذ لم يترك الملف يسير بالروتين البطيء، بل دفع نحو:
معالجة متزامنة للمعوقات الفنية والإدارية والتعاقدية.
إعداد دراسة قرار تشمل الكلفة التقديرية، والجدوى الاقتصادية، وتحليل التكلفة والعائد، والبدائل التنفيذية.
رفع الملف إلى مستوى القرار الأعلى لحسمه نهائياً.
دراسة إسناد المشروع لشركتين رصينتين بدلاً من شركة واحدة، بما يقلل مخاطر التلكؤ ويضمن استمرارية العمل.
ربط الطريق بمشروع طريق التنمية، حتى لا يبقى مجرد حلقة مرورية داخلية، بل جزءاً من ممر نقل وطني وإقليمي.
فرض محاسبة واضحة على الشركة المكلفة، وربط استمرار التعاون بنتائج ملموسة على الأرض.
بهذا المنهج، تحوّل الطريق الحلقي الرابع من ملف مؤجل إلى مشروع يمتلك قراراً، وإطاراً زمنياً، وأداة متابعة.
ثانياً: تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية وتطويبها… ملف الاستقرار العمراني
أما الملف الثاني، فيمسّ وجعاً يومياً يعيشه آلاف المواطنين، خصوصاً في الأطراف والتجمعات التي نشأت خارج المخططات الرسمية. فأراضٍ كثيرة كانت زراعية تحوّلت واقعياً إلى سكن، لكن بقيت بلا توثيق نظامي، ما جعل أصحابها عرضة للنزاع، وصعّب إدخال الخدمات إليها، وأبقى حالتها القانونية معلقة.
التدخل في هذا الملف لا يعني تحويل الأراضي بشكل عشوائي، بل تنظيم هذا الواقع ضمن ضوابط تخدم المواطن والدولة معاً. فالتطويب، أي تسجيل الأرض رسمياً وإصدار سند الطابو، ينقل الأسرة من حالة عدم اليقين إلى حالة الاستقرار القانوني.
وأهمية هذا الملف تتضح في عدة جوانب:
اجتماعياً: يمنح الساكن أماناً ويحميه من النزاع أو الإزالة.
اقتصادياً: يجعل العقار قابلاً للتداول والرهان والاستثمار.
عمرانياً: يسمح بإدخال المناطق المطبقة ضمن خطط الخدمات: طرق، ماء، مجاري، كهرباء، مدارس، ومراكز صحية.
إدارياً: يقلل ازدواجية الدوائر ويحدد مسؤولية كل جهة.
أمنياً وقانونياً: يحد من تدخل الوسطاء والنزاعات العشائرية والعائلية.
بكلمة أوضح: تطويب الأراضي المحولة إلى سكنية ليس إجراءً ورقياً، بل خطوة لإعادة الاعتبار للدولة وللحقوق المدنية في آن واحد.
خارطة طريق مختصرة للملفين
حتى لا تبقى القرارات في إطار النوايا، يمكن اختصار المسار التنفيذي بالعناصر الآتية:
حصر المعوقات بدقة: كل تعارض في الطريق الحلقي، وكل عقبة في ملفات الأراضي، يجب أن يتحول إلى بند محدد له جهة مسؤولة ومدة معالجة.
1.
دراسات قرار لا دراسات تبرير: المطلوب تحديد الكلفة والجدوى والبدائل ومخاطر التأخير، لا تجميل الواقع.
2.
توزيع التنفيذ على أكثر من جهة: خاصة في المشاريع الكبرى، لضمان الاستمرارية وتقليل المخاطر.
3.
سقف زمني علني: يعرف المواطن متى تبدأ المرحلة، ومتى تنتهي، وماذا سيُسلَّم في نهايتها.
4.
محاسبة على النتائج: لا مكان للتأخير بلا سبب موثق، ولا للعقود بلا التزام بالمواصفات والمدد.
5.
ربط التطويب بالخدمات: الأرض المطبقة يجب أن تدخل فوراً ضمن خطط الماء والكهرباء والطرق والمدارس.
6.
نشر دوري للتقدم: الشفافية تقتل الشائعة، وتبني الثقة بين الدولة والمواطن.
7.
لماذا تُعد هذه البداية قوية؟
لأنها لم تذهب إلى الملفات السهلة، ولم تكتفِ بالتصريحات. الدكتور ليث الخزعلي بدأ من موضعين حساسين: حركة المواطن في المدينة، وحقه في سكن موثوق.
الطريق الحلقي الرابع يخفف اختناق بغداد، وتطويب الأراضي الزراعية المحولة إلى سكنية يعيد الاستقرار للناس. ومعاً، يشكّلان اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحويل التخطيط إلى منجز، والقرار إلى أثر.
خلاصة مختصرة
انتقال الدكتور ليث الخزعلي من العمل الأكاديمي إلى المنصب التنفيذي لم يكن مجرد تغيير عنوان، بل محاولة لنقل منهج التحليل والدقة إلى موقع القرار. وقد بدأ بملفين كبيرين: الأول يحرّك العاصمة، والثاني يثبت المواطن في سكنه.
وإذا استمر هذا هالنهج بالجدية نفسها، فلن يكون ما تحقق مجرد مشاريع إدارية، بل سيكون علامة على أن الدولة قادرة، حين تتوفر الإرادة والانضباط، على إنهاء ملفات ظلت معلقة طويلاً.