من مبدأ بيغن إلى حرب الظل؛ الدور الصهيو-أمريكي في تصفية علماء الطاقة النووية في العراق وإيران من 1979 إلى 2025..!
غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل

▪️المقدمة:
منذ عام 1981، تبنت إسرائيل عقيدة واحدة صاغها رئيس الوزراء مناحيم بيغن، والتي لن تسمح فيها إسرائيل أبداً بأن يمتلك أي نظام معادٍ لها في الشرق الأوسط، سلاحاً نووياً يمكن أن يهدد وجودها به.
ولكن تطبيق هذه العقيدة لم يكن عسكرياً فقط، بل كان يستهدف بالأساس العنصر البشري، انطلاقاً من مبدأ أستخباراتي بسيط وهو أن المفاعل النووي يمكن إعادة بنائه خلال سنوات، أما العالم الذي يبنيه فلا يمكن تعويضه لجيل كامل.
▪️محور النموذج العراقي وتطبيق مبدأ بيغن الكلاسيكي من 1979 إلى 2003.
كان البرنامج النووي العراقي في السبعينات هو الأخطر على إسرائيل، لأنه وصل بدعم الفرنسيين إلى مراحل تنفيذ متقدمة، وكان على بعد 800 كم فقط من تل أبيب.
1️⃣. مرحلة الإغتيالات الأستباقية خارج العراق.
قبل قصف المفاعل النووي العراقي، قرر الموساد الإسرائيلي قتل العقول التي تديره، ففي عام 1979 تم تفجير عالميين عراقيين أثناء عملهما في مصنع بمدينة تولون الفرنسية.
وفي 1980 تم إغتيال العالم المصري يحيى المشد، خريج جامعة الإسكندرية وحاصل على الدكتوراه من الإتحاد السوفيتي، والذي كان العقل الأول ورئيس قسم المفاعل في المشروع النووي العراقي، حيث وجد مقتولاً في غرفته بفندق الميريديان في باريس بضربة على الرأس وطعنات في كل أنحاء جسمه، وكان قبل إغتياله بأيام قد رفض إستلام شحنة يورانيوم فرنسية لعدم مطابقتها للمواصفات، مما كشف أن هدف المشروع كان مفاعلاً عسكرياً وليس سلمياً.
كما تم إرسال طرود مفخخة وتهديدات لشركات ألمانية وإيطالية كانت تزود العراق بمعدات مختلفة.
2️⃣. مرحلة الحسم العسكري.
بعد فشل الإغتيالات في إيقاف المشروع، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي عملية أوبرا في1981، ودمر مفاعل تموز جنوب بغداد بالكامل.
3️⃣. مرحلة التصفية الشاملة بعد الأحتلال في 2003.
أنتقلت العقيدة الإسرائيلية من الإغتيال المحدود إلى التصفية المنهجية الشاملة.
وحسب تقرير نقابة الأكاديميين العراقيين ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، تم إغتيال أكثر من 350 عالماً وأكاديمياً بين 2003 و2008، أغلبهم من منتسبي هيئة الطاقة الذرية العراقية ومنظومة التصنيع العسكري. وتم نقل 500 طن من الوثائق النووية واليورانيوم من موقع التويثة في بغداد (والتي تمثل بقايا المشروع النووي العراقي) إلى الولايات المتحدة، وحلت هيئة الطاقة الذرية.
وكان الهدف من ذلك كله هو ليس منع القنبلة النووية، بل منع حتى إمكانية التفكير في إعادة بناء البرنامج النووي مستقبلاً.
▪️محور النموذج الإيراني وعقيدة حرب الظل من 2007 لغاية الآن.
في إيران، لم يكن بالإمكان تكرار نموذج العراق وذلك لبعد المسافة بين طهران وتل أبيب، وتحصين المفاعلات من 80 إلى 100متراً تحت الأرض في كل من نطنز وفوردو، ووجود منظومة دفاع جوي قوية. لذلك طورت إسرائيل والولايات المتحدة معاً عقيدة جديدة أسمتها الأوساط الاستخباراتية حرب الظل وهي؛ حرب أستنزاف طويلة تقوم على أربعة أركان.
أ. ركن الإغتيال الدقيق عبر وحدة قيساريا في الموساد الإسرائيلي، وأعتمدت طريقة موحدة أصبحت لاحقاً بصمة الموساد في إيران، وهي عبارة عن عبوة مغناطيسية شديدة الانفجار، تلصق على سيارة العالم بواسطة دراجة نارية تمر بجانبه.
وبهذه الطريقة إغتيلوا مسعود علي محمدي أستاذ الفيزياء النووية بجامعة طهران في2010 بدراجة مفخخة، ومجيد شهرياري، مؤسس الجمعية النووية الإيرانية في نفس العام، وداريوش رضائي نجاد، المتخصص في تطوير الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية في2011، ومصطفى أحمدي روشن، نائب رئيس منشأة نطنز للتخصيب في 2012.
ب. ركن الإغتيال التكنولوجي وهو الدور الإسرائيلي-الأمريكي المشترك. وإغتيل فيه محسن فخري زاده في 2020 وتعتبر هذه العملية من أهم العمليات في تاريخ حرب الظل. لكون فخري زاده كان يلقب بأبو القنبلة النووية الإيرانية، ورئيس منظمة الأبحاث والإبداع الدفاعي، أغتيل برشاش آلي متطور مثبت على سيارة بيك آب، يتم التحكم به عن بعد عبر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، دون وجود أي مسلح في الموقع. والعملية تطلبت دعماً أمريكياً في التتبع والاتصالات.
ج. ركن الحرب السيبرانية وهو الدور الأمريكي-الإسرائيلي المشترك. ويتمثل في فيروس ستوكسنت. كأول سلاح سيبراني في التاريخ يدمر منشأة فيزيائية.
طورته الوحدة 8200 الإسرائيلية ووكالة الأمن القومي الأمريكية، ضمن عملية الألعاب الأولمبية. تسلل إلى منظومة التحكم في نطنز ودمر حوالي 1000 جهاز طرد مركزي من خلال جعلها تدور بسرعة جنونية حتى تنفجر من الداخل.
د. ركن التخريب الداخلي، ويتمثل في تفجير منشأة نطنز في 2020 و2021، واغتيالات بطرق غير مباشرة كالتسميم وحوادث السير المدبرة.
▪️محور المقارنة الإستراتيجية بين النموذجين.
في النموذج العراقي كان الهدف الإستراتيجي هو تدمير المفاعل كمنشأة، وكانت الأداة الرئيسية هي طائرات اف 16 وقنابل متنوعة، وكان زمنها ضربة حاسمة واحدة، وكان التبني تبنياً علنياً وفخراً سياسياً، وكان الشريك هو غطاء سياسي أمريكي فقط.
أما في النموذج الإيراني فالهدف الإستراتيجي هو تدمير العقل وتأخير البرنامج، والأداة الرئيسية هي عبوة لاصقة وفيروس وتجس وعميل داخلي، والزمن هو حرب أستنزاف ممتدة لأكثر من 15 سنة، والتبني هو إنكار كامل وسياسة الغموض البناء، والشريك هو شراكة تنفيذية كاملة بين وكالة الأمن القومي والوحدة 8200 ووكالة المخابرات المركزية والموساد.
▪️الخاتمة والأستنتاج:
أثبتت التجربة أن إسرائيل انتقلت من عقيدة تدمير المفاعل إلى عقيدة قتل العالم الذي يبني المفاعل.
في العراق نجحت بنسبة 100% لأنها استغلت دولتين، دولة معزولة دولياً قبل 2003، ودولة محتلة ومنفلتة أمنياً بعد 2003.
في إيران، النجاح نسبي. فبالرغم من اغتيال 6 علماء كبار وتدمير آلاف أجهزة الطرد، إلا أن البرنامج النووي الإيراني لم يتوقف، بل زاد من نسبة التخصيب إلى 60%، لأن إيران تعلمت من الدرس العراقي وقامت بتوزيع علمائها ومنشآتها وتحصينها.
والدرس الاستراتيجي الأخير هو أن إغتيال العلماء لا يوقف البرنامج النووي بشكل نهائي، بل يؤخره فقط. ويبعث رسائل ردع لكل عالم عربي أو مسلم مفادها، من يفكر في أمتلاك طاقة نووية سيادية خارج المظلة الأمريكية-الإسرائيلية، فحياته هي الثمن.
وبكيف الله.




