إلى الفتى الذي في الصورة..!
عباس سرحان ||

أيها الفتى المتحفز في هذا الإطار الصغير، ذي الحواف المسنّنة كطابع بريدي قديم، أنظر إليك الآن فلا أعرف أيّنا يتأمل الآخر!
أنا الذي أثقلته السنون، أم أنت بعينيك الحادتين تسالني ماذا صنعتُ بك.
شعرك الكثيف ما زال على حاله، مسرّح إلى الوراء بعناية.
وحاجباك معقودان كأنك تستعد لخصومة لا تعرف مع من. وفي شفتيك المطبقتين كلام كثير لم تقله لأحد.
كنتَ تعرف منذ ذلك الحين أن الكلمة في بلادنا قد تكلّف صاحبها رأسه، فخبّأتها في صدرك حتى يحين أوانها.
لا تبتسم، أعرف ذلك.
لم يكن في زمانك ما تبتسم له. الحرب تدق ابواب المنازل ولم تقف عند حدود الوطن.
والوجوه تُعدّ كل صباح لتفقد الغائبة منها، وصورتك هذه لم تُلتقط للذكرى، وإنما لورقة رسمية يطلبها موظف متجهّم، ثم تُلصق في دفتر الخدمة العسكرية او في وثيقة دراسية لاجدوى منها.
أتدري يا صاحبي ما الذي كان ينتظرك؟
بعد سنين قليلة ستركب قارباً في دجلة تحت جنح الليل، وتترك القرية خلفك نائمة لا تدري أنك تودّعها. سيحملك الماء نحو أفق بعيد.
وستحمل معك خوفاً لا اسم له، وأملاً لا دليل عليه. ستتعلم في تلك الليلة أن النهر لا يسأل المغادرين عن وجهتهم، وأن الظلام أرحم من نهارات المخبرين.
ثم ستمسك القلم. أجل، ذلك الكلام الذي حبسته بين شفتيك سيخرج أخيراً مقالات في الصحف، وأصواتاً في الإذاعات، وقصصاً تكتبها كي لا تموت الذاكرة.
ستصير رجلاً يعيش في الكلمة، بعد أن كانت الكلمة تهدد حياته.
لن أكذب عليك، فلم تكن الطريق مفروشة بالورد. ستخسر أناساً تحبهم، وتفارق أمكنة حسبتها باقية، وسترى من الخراب ما يكفي لأن يشيب له الفتى قبل أوانه.
لكنك لن تبيع قلمك، ولن تنحني لمن ظننتَ في صباك أنهم لا يُهزمون. وهذا وحده، صدّقني، يستحق كل ما دفعتَه.
انظر إلى الزاوية العليا من صورتك. لقد تآكلت، والتصقت بها بقعة داكنة كأن الزمن التهمها.
وانظر إلى الأرقام المكتوبة تحتك بخط مرتعش. كل شيء فيك يبلى يا صاحبي إلا تلك النظرة. ما زالت حادة كما كانت، تحدّق في الغد بلا وجل..!




