الجمعة - 25 سبتمبر 2026

قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴿سورة آل عمران: 26﴾..!

منذ 3 أيام
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴿سورة آل عمران: 26﴾.

تنزع هذه الآية الكريمة عن الإنسان واحدًا من أخطر الأوهام التي يمكن أن تستولي عليه عندما يكون في سُدَّة الملك والسلطة، يحيط به الملأ والأعيان، وبين يديه الخدم والحشم، وتتحرك بأمره الجيوش، وتُغلق لمروره الطرقات، ويقف الناس على جوانبها يلقون عليه التحية ويهتفون باسمه متزلِّفين متملِّقين أو مكرهين. فيتوهَّم أن سلطانه أبديٌّ لا تزيله قوة، ولا يجرؤ على مواجهته أحد، ويظن أن ما في يده من مال وقوة ومنصب وجاه وقدرات وإمكانات، ملكٌ خالص له يتصرَّف فيه كيف يشاء.

ومن يتدبر في آيات القرآن الكريم يراها تنقض هذا الوهم بالحديث عن ضعف الإنسان، وتنبهه إلى الحقيقة الكبرى: الكون كله ملك الله، والله مالكه الحقيقي، لأنه هو الذي خلقه. وملكه مطلق، وسلطته عليه مطلقة، يفعل فيه ما يشاء وفي الوقت الذي يشاء وبالقَدْر الذي يشاء. وأما ما يملكه الإنسان فهو ملك اعتباري قانوني، لكنه لا يملك وجوده من الأصل، ولا يملك أسباب بقائه، ولا يملك استمرار سلطانه، ولا يستطيع أن يمنع الموت عن نفسه، ولا أن يضمن دوام ما في يده.

وربَّ قائل يقول: ما معنى أن يقول الله سبحانه: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾؟ فهل يحدث الأمر جزافًا، أو يفضِّل الله أحدًا على أحد؟

والجواب: صحيح أن مشيئة الله مطلقة، ولكنها ليست عشوائية، بل هي جارية وفق حكمته، فالله سبحانه لا يعطي من دون سبب، ولا يمنع من دون سبب، لا يهب الملك اعتباطًا، ولا ينزعه اعتباطًا، وإنما تجري مشيئته من خلال حكمته وسننه والأسباب التي أودعها في الحياة.

ومما لا شك فيه أن النجاح السياسي والاجتماعي لا يحدث خارج سنن الله والأسباب الطبيعية التي تنتج آثارها. فهناك أسباب للنهوض، وأسباب للسقوط، أسباب لقوة الدول، وأسباب لضعفها وانهيارها.

وحين يستفيد فرد أو مجتمع من هذه السنن، تكون مشيئة الله جارية من خلالها. ولهذا فإن وصول شخص إلى السلطة لا يعني بالضرورة أن الله راضٍ عنه، لكنه وصل بالأسباب التي سببها الله، كما أن سقوط حاكم لا يعني بالضرورة أن الله أعطى البديل شهادة العصمة والصلاح.

السلطة قد تقع في يد الصالح من الناس ابتلاءً له، وقد تقع في يد الظالم منهم استدراجًا له وامتحانًا للناس من حوله، وقد يبقى الظالم في سلطانه زمنًا طويلًا لأن المجتمع قد ساهم في توفير أسباب بقائه، إما بالسكوت عنه، أو التملق له، أو الخوف منه.

ومن هنا فإن الآية الكريمة تحمل إلينا رسالة بالغة الأهمية، مفادها إننا نرى اليوم الطغاة الظالمين يحكمون، ويكادون يمسكون برقاب أهل الأرض بما يملكون من قدرات عسكرية وأمنية، وإمكانات اقتصادية ومالية، وقد يوقعنا هذا الأمر في وهم أنهم خالدون، وأن قوتهم لا تقهر، وأن ملكهم لا يزول، وقد يدعونا ذلك إلى الخضوع طواعية لهم، والاستسلام لإرادتهم، بل والتملّق لهم.

هنا تأتي الآية الكريمة لتقول لنا: لا تقصروا نظركم على اللحظة الراهنة وتظنوا أن الطغاة باقون خالدون، أو أنهم قادرون على فعل أي شيء، فالقدرة المطلقة لله، والملك المطلق لله، وتبقى كل قوة بشرية محكومة بسنن التغيير والزوال.

ولا يعني ذلك أن نجلس وننتظر أن ينزع الله الملك من الظالمين ويعطيه للصالحين دون أن نفعل شيئًا. بل العكس تمامًا. فإذا كان الله قد جعل للملك أسبابًا، فإن واجبنا أن وأسباب القدرة على بناء المجتمع الصالح القوي المقتدر. فالإيمان بأن الملك لله لا يعفينا من مسؤولية عمارة الأرض وصناعة الواقع. بل يجعلنا أكثر مسؤولية، لأننا نعلم أن ما في أيدينا أمانة، وأننا محاسبون على الطريقة التي استخدمنا بها ما أُعطينا.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 22/9/2026 الساعة (05:19)