الأحد - 20 سبتمبر 2026

الشهيد الأسمى في عيون المصريين..!

منذ 3 ساعات
الأحد - 20 سبتمبر 2026

إيهاب شوقي / مصر ||

 

 

للمصريين حكاية طويلة مع الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، فقد بدأت مع متابعتهم لحزب الله وعملياته البطولية في الجنوب، ووصلت لذروتها مع حرب تموز 2006، ولم تنتهِ حتى بعد شهادته المباركة، حيث تحول إلى رمز وعضو في قائمة الشرف والزعامات التي يجلها المصريون.
ولأن مصر هي أكبر تجمع بشري عربي، حيث يتجاوز تعدادها 120 مليون نسمة (109 بالداخل و11 مليونًا بالخارج)، وتعد بمفردها ربع تعداد الوطن العربي (نحو 460 مليونًا)، فإن فيها قطاعات شعبية عديدة، جلها مناصر وعاشق للشهيد، وفقًا للمزاج العام ولطبيعة الشعب وما أظهره أغلبه في محطات عديدة.
وهنا يمكن القياس عبر التجمعات التي رفعت صور الشهيد نصر الله إلى جانب الزعيم جمال عبد الناصر، وسيل الندوات والمؤتمرات التي احتفت بالمقاومة وزعيمها، وكذلك مراقبة الأوساط الشعبية وحديثها حول زعامة السيد ورجولته وجرأته، وكتابات كبار كتّاب مصر، وعلى رأسهم الكاتب الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل، إضافة إلى مواقع السوشيال ميديا والاتجاهات العامة فيها، والتي تتفق في معظمها على مرتبة خاصة للسيد نصر الله، حتى مع إعلان الاختلاف مع بعض حركات المقاومة ذات الصبغة الدينية، ولكن المجموع اتفق على أن سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله له وضع خاص كزعيم مقاوم ورمز كبير.

استطلاع مركز ابن خلدون
واللافت أنه جرت محاولات عدة لقياس الرأي العام، ومنها استطلاع أجراه عام 2006 مركز ابن خلدون ذي المواقف التطبيعية المثيرة للجدل بمصر، بما يناقض خيار المقاومة والانحياز إلى صفها وصفّ زعيمها.
وفي هذا الاستطلاع العلمي للرأي، سجل السيد حسن نصر الله المركز الأول في سباق الشعبية لدى المصريين بنسبة (82%) بين عشرين شخصية عامة مصرية وعربية وإسلامية. واللافت أن من جاء في المركز الثاني آنذاك كان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بنسبة (71%)، وهو تفسير مبكر لانحياز المصريين لإيران في حربها الراهنة بمواجهة العدوان الصهيو-أميركي.
ولا شك أن ما جمع بين السيد والمصريين أمور تتعلق بطبيعة المصريين وبطبيعة السيد نصر الله، ويمكن رصدها باختصار فيما يأتي:
أولًا: طبيعة المصريين
لمعرفة سر هذه المحبة المصرية للسيد نصر الله، يجب تأمل طبيعة المصريين، من حيث عشقهم للزعامات وأصحاب البطولة، وهو أمر متجذر في تراثهم الشعبي. والمصريون شديدو المحبة للزعماء في تاريخ مصر والوطن العربي والعالم، دون عنصرية، فهم يعشقون سعد زغلول ومصطفى كامل وجمال عبد الناصر في الوقت الذي يعشقون فيه عمر المختار وجيفارا وغيرهما ممن جسد التاريخ بطولاتهم.
كما أن المصريين ليسوا طائفيين بطبعهم ولا متعصبين مذهبيًا، باستثناء فئات محدودة برزت بعد الغزو الوهابي في عصر السادات، وبالتالي لا يحول اختلاف الدين ولا المذهب الإسلامي دون الالتفاف والاحترام والمحبة لأي قائد وبطل، ناهيك عن الوضع الخاص لآل البيت في مصر وانتشار مراقدهم الشريفة ومحبة المصريين لهم، وهو أمر يقرب بينهم وبين أتباع آل البيت في لبنان أو العراق أو إيران، ولا ينظر غالبية الشعب لهم بنظرة التعصب الموجودة لدى بعض الشعوب الأخرى.
وفوق ذلك، فإن الصراع المصري مع الصهاينة الممتد منذ نشأة الكيان وحتى العام 1973 خلق حالة عداء راسخة، ففي كل بيت مصري شهيد منه أو من أقاربه، كما يرفض المصريون التطبيع جملة وتفصيلًا، ويعدّ التطبيع وصمة وتهمة لكل متورط به، وهو ما يعني أن المصريين ينحازون لكل مقاوم للكيان.
ثانيًا: طبيعة الشهيد نصر الله
يضاف إلى ذلك أن الشهيد السيد حسن نصر الله كان طرحه السياسي وحدويًا، وكان خطابه جامعًا، ولم ينظر إليه الناس باعتباره زعامة دينية أو مذهبية، بل كان خطابه عروبيًا قوميًا يجمع الناصريين والقوميين، وكان خطابه لنصرة المستضعفين وإقامة العدل، وفي تفاصيله يقترب من أطروحات العدالة الاجتماعية، وهو ما لا يتناقض مع اليسار الواسع، كما أنه ذو نزعة إسلامية وحدوية، وهو ما لا يتناقض مع معظم التيارات الإسلامية.
وبالتالي، عندما تصدّرَ السيد نصر الله واجهة الصراع مع العدو الصهيوني والأميركي وبخطاب جامع، وجد آذانًا صاغية وقلوبًا مفتوحة، ولم يشذ عن ذلك إلا فئات من المتعصبين أو المرتزقة من أتباع السفارات الصهيونية والأميركية والخليجية.
نظرة المصريين لتطور الحزب وزعامة السيد نصر الله
ربما انطلت على بعض القطاعات في مصر مزاعم السلام بعد اتفاق “كامب ديفيد”، ولكن ظلت تيارات سياسية لها ظهير شعبي تتمسك بخيار المقاومة وترفض الاتفاق. ومع الوقت اتسعت دائرة الرفض وتقلصت طبقة المؤيدين للسلام المزعوم، مع اكتشاف استغلال العدو لخروج مصر من دائرة المواجهة في الانقضاض على بقية الجبهات، ومنها جبهة لبنان التي مزقتها الحرب الأهلية، ووجدوا العراق في حرب كبرى مع إيران يستنزف كل منهما الآخر، وبدأت تتضح معالم النفاق الخليجي الذي أقنع الشعوب بأنه رافض للعدو وقاطع النظام المصري الذي عقد اتفاقية (السلام)، بعد الكشف عن اتصالات خليجية سرية مع العدو “الإسرائيلي” تزامنت مع اتفاقات أوسلو، وسبق ذلك اكتشاف حجم التنسيق مع أميركا راعية الكيان في المنطقة، وهو ما خلق قناعة بحتمية المقاومة، وبأن الدور الذي تلعبه المقاومة في فلسطين ولبنان هو الدور الحتمي وأن المقاومين ينوبون عن أمة كاملة تخلت عن الكرامة وألقت السلاح في وسط المعركة.
هنا بدأت أخبار الجبهة اللبنانية تتوالى وتتردد أصداؤها في العالم العربي والإسلامي وصولًا إلى التحرير، ما شكّل قناعة متنامية بأن مركز ثقل المقاومة انتقل إلى لبنان وأن حزب الله أصبح أملًا كبيرًا في كبح جماح العدو الذي بدا مطلق اليد بعد تخلي الأنظمة عن المقاومة، وبعدما نجح في تشتيت منظمة التحرير ونجح في إيقاع قيادتها في فخ السلام المزعوم.
حرب تموز
وكانت ذروة العشق المصري لسيد شهداء الأمة السيد حسن وحزب الله في حرب تموز 2006، وقورنت خطابات السيد صراحة بخطابات الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، وتم تشبيه أمر إغراق البارجة “ساعر” في خطاب السيد بأمر “تأميم قناة السويس” في خطاب عبد الناصر.
ورُفعت صور السيد نصر الله في الميادين إلى جانب صور عبد الناصر بشكل تلقائي، يعبّر عن اشتياق المصريين للزعامة ومناهضة العدو الصهيوني، ناهيك عن المؤتمرات والاحتفالات بالانتصار اللبناني التي عجت بها النقابات والقاعات في مصر.
حرب الإسناد
ومع طوفان الأقصى، بدأت العيون تتطلع لتدخل حزب الله، وهو ما تحقق منذ اليوم الثاني على الفور، عندما أعلن السيد مشاركته في إسناد غزة وعدم تخليه عنها، وباتت الأسماع تتطلع لتصريح أو خطاب أو قرار من السيد باعتباره أملًا في نصرة فلسطين وحماية غزة، وقوبل هذا التدخل بفرح عارم وأمل كبير في إنقاذ غزة وتخفيف الضغط عنها، وحمايتها من الإبادة.
كما تطلع المصريون لعمليات حزب الله وتطورها وتصاعدها، واستفاق بعض من تأثروا بحجم الدعايات الطائفية التي شنت على الحزب، حيث وجدوا الحزب يدافع ويقدم الشهداء على طريق القدس وفي قضية إسلامية وقومية عامة لا علاقة لها بالطائفية المزعومة.
شهادته المباركة
كانت شهادة السيد ألمًا كبيرًا طاغيًا لقطاعات شعبية عديدة، وتسببت في حالة من الحسرة، ولكن بقي معها سماحة الشهيد العظيم رمزًا مقاومًا في قائمة الشرفاء والأبطال التي اعتمدها الوجدان المصري السليم.
كما استبشر المصريون بمواصلة الحزب للمقاومة وخوضه لمعركتي أولي البأس والعصف المأكول واحتفاظه بجهوزيته وسلاحه، وأيقنوا أن الشيخ نعيم هو امتداد للسيد نصر الله، وأن المقاومة بخير وتمارس تكليفها وباقية على العهد.
🖊 ايهاب شوقي