العز والرز..!
مجيد الكفائي ||

كلما حاولنا قراءة خارطة المجتمع العراقي اليوم اصطدمنا بجدارٍ عازل يقسم الوطن إلى عالمين لا يلتقيان طبقة “النخبة” المتمثلة في السياسيين وحاشيتهم ومن لف لفهم من تجار الفرص الذين نمت ثرواتهم في كنف المحسوبية وطبقة “الجمهور” المسحوقة التي باتت تعيش على حافة الهاوية ولولا تلك الحصص التموينية المتهالكة التي يأتي الرز التايلندي العفن على رأس قائمتها لكان الجوع قد أكل ما تبقى من كرامة الفقراء في هذا البلد .
إن الفقر في العراق لم يعد مجرد نقص في الموارد بل أصبح سياسة ممنهجة لإبقاء المواطن مشغولاً بـ “قوت يومه” .
لقد فاقت معدلات البطالة كل التوقعات حتى تلك المهن الهامشية التي كان يعتاش عليها المعدمون كجمع المعلبات الفارغة من النفايات فقدت جدواها الاقتصادية في ظل تضخم الأسعار وانهيار القوة الشرائية .
وما يدمي القلب هو حال الموظف الذي تحول إلى “أسير للديون” فبعد أن كان الراتب يمثل سدًا منيعاً أصبح اليوم لا يغطي تكاليف النقل إلى مكان العمل، ليقضي الشهر مديناً بانتظار “راتب ضئيل” يتبخر قبل أن يصل إلى يده .
أما المتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الدولة فإنه اليوم يواجه خياراً وجودياً قاسياً:
إما شراء دواءه بـ 400 ألف ديناروهي كل راتبه أو العيش بلا طعام في مفارقة تعكس انعدام العدالة الاجتماعية.
إن السؤال الذي يصرخ به كل عراقي في عتمة ليله:
كيف لبلد يطفو على بحار من النفط والغاز والمعادن وتملأ قصوره ومولاته شاشات الفضائيات أن يعيش أهله بهذا القدر من الفاقة والمهانة؟
إن المشهد اليوم يتلخص في أن “العز والرز” باتا حكراً على طبقة طفيلية استولت على مقدرات الدولة بينما حُرم الشعب من أبسط حقوقه ليصبح الهم والدين هما العملة السائدة في الشارع العراقي .
إن استمرار هذا الوضع يحول الوطن إلى سجن كبير حيث الثروة تتركز في أيدٍ لا تؤمن بالدولة كفكرة بل كمغنم .
إن كرامة العراقي التي تُهان اليوم أمام الصيدليات أو في طوابير انتظار اعانات المحسنين هي جرس إنذار لكل من يهمه أمر هذا البلد.
إننا لا نحتاج إلى وعود مكررة بل نحتاج إلى ثورة في إدارة الموارد تعيد للمواطن حقه في ثروته وتنتشله من دائرة “الذل” التي فُرضت عليه قسراً وان يكون العز والرز لكل العراقين بلا تفريق بين مواطن واخر.
في نهاية المطاف العراق ثرياً بأرضه لكنه فقيراً بأهله ما لم يتم كسر شوكة المحسوبية التي جعلت من العراقي غريباً في وطنه ينتظر الفتات بينما تُنهب كنوزه في وضح النهار .




