الجمعة - 18 سبتمبر 2026

مسرحية الشاشة: الوطني بإرث بعثي يحارب المقاومين..!

الجمعة - 18 سبتمبر 2026

الكاتب/ اسعد عبد الله عبد علي ||

 

 

 

في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات وتتصارع عبره الأصوات، لم تعد المعارك تُخاض بالسلاح وحده، بل باتت الكلمة والصورة رأس الحربة في مواجهة اشعلت كل المنطقة؛ حيث يستعر صراعٌ إعلامي محموم تتشابك فيه إرادات محلية وإقليمية ودولية. صراعٌ لا يكتفي بنقل الخبر، بل يسعى لنسج الوعي وإعادة رسم ملامح الانتماء، محاولاً بكل ما أوتي من أدوات استراتيجية وخطابات موجهة لكسر شوكة “خط المقاومة” وتحجيم التأثير الايجابي لجمهورية ايران في العراق.
وفي قلب هذه الموازين المتلاطمة، تتكشف أمامنا ملامح منهج إعلامي مدروس، تتوزع أساليبه ومحاوره لرسم اتجاهات الرأي العام ودفع الشارع نحو معادلات جديدة.
وهنا سنذكر اهم المرتكزات الخطابية والرسائل الأساسية لهذا الخط الخبيث الساعي لاشعال الفوضى في البلاد.

• مسرحية: الوطنية والعراق اولا
فجأة، وبقدرة قادر، استيقظ الجميع على نغمة جديدة تعزفها الشاشات والمنصات صباح مساء: “العراق أولاً”! شعارٌ برّاق يُرفع في الاستوديوهات المكيفة بجرعات عاطفية عالية، وكأن القوم اكتشفوا للتو – وبعد طول تأمل – أن هناك خارطة تُدعى العراق، وأن لها حدوداً وسيادة يجب أن تُصان!
تجلس أمام الشاشة لتجد المحلل الموقر، ببدلته الأنيقة وربطة عنقه المشدودة بأحكام، ينظر إلى الكاميرا بنظرة مليئة بالحسرة والغيرة الوطنية، ليحدثك بلهجة تحذيرية عن “ضرورة حصر السلاح بيد الدولة”. وطبعاً، الدولة في هذا العرض المسرحي هي ذلك الكائن اللطيف المفترض الذي لا يراه أحد إلا في النشرات الإخبارية، لكن الكاميرا تصر على أنه يجب أن يتفرد بامتلاك “كل” السلاح، بينما تجد المفارقة المضحكة في خلفية الاستوديو أن حارس البناية نفسه يحمل بندقية لا تدري لمن تبعيتها!
ثم تتصاعد الدراما حين يصل المخرج إلى مشهد “رفض النفوذ الخارجي”. هنا يتحول الاستوديو إلى حلبة للمزايدات في حب الوطن؛ فالكل يرفض “التدخلات الإقليمية”، والجميع يندب حظ القرار السياسي المُصادَر.
لكن المضحك المبكي في هذا المشهد الساخر، أن الخطاب الذي يصرخ بحرارة لإنقاذ القرار العراقي المستقل، غالباً ما يُبث من شاشة تُدار مفاتيحها من خلف الحدود، أو يمولها طرف إقليمي آخر يجلس مستمتعاً بقهوته, وهو يراقب كيف يُستخدم شعار “السيادة الوطنية” كعصا سحرية لتسديد الحسابات وتوجيه السهام نحو الخصوم فقط!

• شماعة السلاح وخبث الهدف
ثم تنتقل الكاميرا إلى المقطع المفضل لدى الخبراء الاستراتيجيين: “سلاح الفصائل هو السبب في كل أزمات المجرة!” تجلس أمام الشاشة لتشاهد الخبير وهو يرسم لك ببلاغة متناهية صورة الدولة المسكينة المظلومة، ذلك الهيكل الملائكي الناعم الذي يحاول بكل قوة أن يبني مؤسساته الشامخة, ويفرض سيادة القانون، لكنه كلما وضع لبنة جديدة، جاء سلاح الفصائل ونسفها في اللحظة نفسها!
تسمع المحلل وهو يحلل المعضلة بعمق عجيب، ليشرح لك أن سر تأخر البلاد، وغياب الخدمات، وحتى انقطاع الكهرباء في آب اللهاب، لا يعود أبداً إلى سوء الإدارة أو الفساد الذي يزكم الأنوف، بل لأن هناك بندقية تقف حائلاً بين المواطن والرفاهية! والمثير للضحك أن هذه “الدولة الضعيفة” التي يتباكون عليها، تجدها هي نفسها تشارك في الاستعراضات، وتصرف الراتب، وتوقع على الاعتمادات، ثم تخرج ليلاً عبر شاشات التلفزيون لتشتكي للمواطن المسكين من أن السلاح يمنعها من الهيبة!
وفي ذروة المشهد الساخر، يطالبك من يدعي الحرص الشديد على القانون بأن تتخيل “دولة المؤسسات” الفاضلة التي ستشرق شمسها فور اختفاء هذا السلاح، بينما تناسى الشارع تماماً كيف يُطبق هذا القانون اصطفائياً على المواطن البسيط الذي يحلم بلقمة العيش، ويُستثنى منه كل من يملك مظلة سياسية أو نفوذاً نافذاً.
وهكذا، تحول ملف “ضعف الدولة” إلى شماعة جاهزة وشاشة عرض مثالية لتبرير كل عجز حكومي، وإقناع الجمهور بأن العائق الوحيد أمام تحول البلاد إلى أوتوبيا أفلاطونية هو مجرد بندقية خارج إطار العرض!

• الوطنجي معزوفة العقوبات وأوهام الحصار!
تصل المأساة الهزلية إلى ذروتها حين يُقرر “خبراء الاقتصاد” الجدد على الشاشات فتح ملف الميزانية، لتشاهد الجوقة الثنائية المعتادة: “الوطنجية” الذين اكتشفوا حب الوطن فجأة عبر منصات ممولة بالدولار، وذيل خلفهم من فلول “البعثية” الذين ما زالوا يحلمون بزمن المكارم وشعارات القادسية المتهالكة، ومعهم بعض وجوه “التشارنة” الذين تحولت حماستهم لخدمة أجندات السفارات دون أن يدركوا حجم الفخ!
يجلس “الوطنجي” الأنيق، وبجانبه “التشريني” الناقم، ليرددا خلف الأستاذ “البعثي” العتيق موشحاً واحداً: “إيران هي سبب الجفاف والأزمة الاقتصادية وغلاء البيض!” تجد الخبير الاستراتيجي ينظر للكاميرا بعيون مغرورقة بالدموع، ليشرح للمواطن البسيط أن سبب انقطاع الكهرباء في آب اللهاب ليس الفساد المتجذر الذي أسسته حقب المحاصصة، ولا النهب المنظم لثروات البلاد، بل لأن العراق يتجرأ على استيراد الغاز الإيراني الذي يضيء بيوتهم بالأساس! وفي غمرة التهجم، يتناسون بعمى مصطنع أن الجارة إيران هي الشريان الأساسي الذي يحفظ توازن الطاقة ويغطي النقص الحاد رغم كل الحصار والعقوبات الضالمة المفرودة عليها.
وتكتمل الكوميديا السوداء حين يبدأ “البعثي” بالتباكي على “فرص الاستثمار المفقودة” وحرمان البلاد من جلب الشركات الغربية العملاقة، وكأن هذه الشركات كانت تقف بالطوابير على الحدود وتمنعها إيران! ينسى القوم أن العقوبات المالية والأمريكية المفروضة على المنطقة هي الأداة الحقيقية لخنق الاقتصاد العراقي ومحاصرة أي منفذ للتنمية المستقلة. لكن الجوقة تفضل تجاهل الفاعل الحقيقي وتوجيه كل اللوم نحو الجار الإيراني الذي وقف مع العراق في أشرس أزماته الأمنية والاقتصادية يوم أغلقت كل الأبواب بوجهه.
وهكذا، يتحول ملف “الكلفة الاقتصادية” في أفواه الوطنجية وحلفائهم الجدد إلى مجرد معزوفة مكررة؛ يُراد منها إقناع الشارع بأن قطع العلاقات مع الجار الأقرب وتحويل البلاد إلى ساحة لتنفيذ العقوبات الأمريكية هو الحل السحري لتتدفق النعم، في أوهام لا تنخدع بها إلا الشاشات التي تبثها!

• في الختام
ان هذه المأساة الهزلية التي تُعرض على شاشاتنا الملونة، يمكننا أن نلخص فلسفتها عبر ثلاث قواعد ذهبية لا يخر منها الماء:
اولا: سيادة الدليفري: الوطنية الحقيقية لا تكتمل إلا إذا كانت ممولة بالدولار، وتبث من استوديو مكيف يقع خلف الحدود!
ثانيا: البندقية السحرية: إذا انقطعت الكهرباء، أو ارتفعت أسعار البيض، أو غرق الشارع بماء المطر، فلا داعي لمشاطرة المسؤولين الحساب؛ فالبندقية إياها هي المسؤولة عن كل قوانين الفيزياء والطقس!
ثالثا: الحل الدبلوماسي العجيب: تجويع البلاد وتحويلها إلى ساحة لخدمة العقوبات الأمريكية هو الخطة السحرية الوحيدة التي ستجعل الشركات الغربية تتدفق علينا بالورود والرياحين!

وهكذا يتكشف العرض عن مسرحية مكشوفة الأهداف، يظن صناعها أن الشارع العراقي سينخدع بالتلميع والصبغ السياسي وشعارات الوطنية المستوردة.