الاثنين - 14 سبتمبر 2026

الوصاية الأمريكية على الأموال العراقية وأثرها في القرار السياسي والاقتصادي..!

منذ ساعتين
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

 

 

قاسم الغراوي ||

 

 

 

 

عقدت الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين وخبراء الاقتصاد جلسة حوارية بعنوان: «الوصاية الرئاسية الأمريكية على الأموال العراقية وأثرها في القرار السياسي»، بمشاركة نخبة من الخبراء والمختصين في الشأنين السياسي والاقتصادي، لمناقشة الإطار القانوني والسياسي الذي يحكم حركة الأموال العراقية، والتحولات التي طرأت على هذا الملف منذ عام 2003، وانعكاساتها على السيادة الاقتصادية وصناعة القرار السياسي في العراق.

وتناولت الجلسة الأطر القانونية التي تشكلت بعد عام 2003، بدءاً من القرارات الدولية المتعلقة بحماية الأموال العراقية، وصولاً إلى التحولات اللاحقة التي أبقت جانباً مهماً من حركة الأموال العراقية وعلاقاتها بالنظام المالي الدولي تحت تأثير القرارات والسياسات الأمريكية، ولا سيما استمرار حالة الطوارئ الأمريكية الخاصة بالعراق وما يرتبط بها من إمكانية استخدام أدوات العقوبات والقيود المالية.

وأكد المشاركون أن الإشكالية لا تكمن فقط في الجانب القانوني أو الفني لإدارة الأموال العراقية، وإنما في الأثر السياسي الذي يمكن أن ينتج عن التحكم بمسارات النظام المالي العراقي، خصوصاً عندما تتحول أدوات النظام المالي الدولي إلى وسائل ضغط في إدارة العلاقات السياسية.

وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن التهديد بالعقوبات الاقتصادية أو التلويح بتقييد التعاملات المالية يمكن أن يتحول إلى عامل مؤثر في القرار السياسي العراقي، إذا ما ارتبط بملفات خلافية أو بمواقف تتعارض مع توجهات الإدارة الأمريكية .
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء منظومة مالية عراقية أكثر قدرة على حماية القرار الاقتصادي من أن يكون رهينة للتجاذبات الدولية والإقليمية.

وفي مداخلات الحضور خلال الندوة، تم التاكيد على أن السيادة السياسية لا يمكن أن تكون مكتملة من دون سيادة اقتصادية ومالية، وأن استمرار اعتماد العراق بدرجة كبيرة على منظومة مالية خارجية، مع اعتماده شبه الكامل على عائدات النفط، يجعل مساحة المناورة أمام الدولة العراقية محدودة في أوقات الأزمات.

كما أشر المشاركون في الحوار إلى أن عدم وصول الأموال أو تعرض حركة الأموال العراقية إلى القيود والضغوط الخارجية لا ينعكس على الجانب المالي فقط، بل يمكن أن يمتد أثره إلى الموازنة التشغيلية والاستثمارية، وتمويل المشاريع التنموية، وحركة التجارة والاستثمار، والاستقرار الاقتصادي، وبالتالي إلى الاستقرار السياسي نفسه.

ومن زاوية أخرى، فإن تأثير العامل المالي لا ينفصل عن العملية السياسية؛ فكلما أصبحت قدرة الدولة على إدارة مواردها الاقتصادية مرتبطة بقرارات أو موافقات أو ضغوط خارجية، ازدادت إمكانية انعكاس ذلك على طبيعة القرارات السياسية وعلى حركة القوى والشخصيات داخل المشهد السياسي.

وتوقف النقاش عند أحد أهم جذور المشكلة العراقية، والمتمثل في الاعتماد المفرط على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة ، فالحكومات العراقية المتعاقبة، رغم اختلاف برامجها وشعاراتها، لم تنجح في الانتقال بصورة حقيقية من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي متنوع.

وقد أسهم غياب الخطط الاقتصادية الاستراتيجية بعيدة المدى، وتذبذب القرارات الاقتصادية، وضعف التنسيق بين المؤسسات، في استمرار هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.

كما أن القطاع الخاص والمصارف العراقية الأهلية لم يحصلا على الدور الذي ينبغي أن يكون لهما كشريكين أساسيين للدولة في عملية التنمية. وبالمثل، لم تحظَ الصناعة الوطنية وإعادة تأهيل وتشغيل المصانع العراقية بالاهتمام الكافي، رغم أن امتلاك قاعدة صناعية وإنتاجية يمثل أحد أهم عناصر الاستقلال الاقتصادي.

إن العراق لا يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من ضعف إدارة الموارد وتحويلها إلى قوة اقتصادية مستدامة .
فالثروة النفطية يمكن أن تكون قاعدة لبناء اقتصاد متنوع، لكنها تصبح نقطة ضعف عندما تتحول الدولة إلى اقتصاد يعتمد على بيع النفط لتمويل النفقات الجارية.

خلصت الرؤية المطروحة في الندوة إلى أن معالجة تأثير الضغوط الخارجية لا تكون بالشعارات السياسية، وإنما من خلال إعادة بناء القوة الاقتصادية العراقية من الداخل، وتطوير الأدوات التي تمنح العراق مساحة أوسع من الاستقلال المالي.

وفي هذا الإطار، تم طرح مجموعة من التوصيات، أبرزها:

1. زيادة التعاملات المصرفية الدولية وتوسيع شبكة العلاقات المالية للمصارف العراقية بما يعزز اندماجها في النظام المصرفي العالمي.
2. تنويع عملات الاحتياطي العراقي وعدم بناء المنظومة الاحتياطية على عملة واحدة بصورة مفرطة، مع مراعاة متطلبات الاستقرار النقدي وإدارة المخاطر.
3. تطوير القطاع المصرفي العراقي ورفع قدرته التقنية والرقابية والمالية، والعمل على بناء روابط أكثر فاعلية مع المصارف والمؤسسات المالية الدولية.
4. توسيع استخدام العملات الأجنبية الأخرى، بما فيها اليورو وبعض العملات الآسيوية، في إطار سياسة نقدية مدروسة لتقليل المخاطر الناتجة عن التركّز المفرط في التعامل بعملة واحدة.
5. بناء سوق مالية عراقية أكثر فاعلية وتنشيط سوق الأوراق المالية، إلى جانب زيادة الإيرادات غير النفطية وتطوير القطاعات الإنتاجية.
6. إعادة الاعتبار للقطاع الخاص والمصارف الأهلية باعتبارهما شريكين في التنمية، وليس مجرد أدوات مساندة للقطاع الحكومي.
7. إعادة تشغيل وتأهيل المصانع العراقية ودعم الصناعات الوطنية والزراعة والقطاعات الإنتاجية، بما يقلل من الاعتماد على الاستيراد والنفط.
8. فصل الإصلاح المالي والاقتصادي العراقي عن التجاذبات الأمريكية–الإيرانية، وعدم السماح بتحويل الاقتصاد العراقي إلى ساحة لتصفية الحسابات أو ممارسة الضغوط المتبادلة.

إن النقاش الذي شهدته الندوة يؤكد أن قضية الأموال العراقية ليست قضية مصرفية بحتة، ولا يمكن اختزالها في إجراءات تحويل الأموال أو إدارة الاحتياطي النقدي، وإنما هي قضية ترتبط بصورة مباشرة بمفهوم السيادة الاقتصادية وقدرة الدولة على اتخاذ قرارها السياسي بصورة مستقلة.
ادار الندوة الحوارية الدكتور محمود الهاشمي رئيس الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين / فرع العراق
وشارك في الحوار نخبة من المختصين والخبراء في مجال الاقتصاد والسياسة .