الاثنين - 14 سبتمبر 2026

مضيق هرمز يشعل أسعار النفط.. الغلاء القادم أكبر من برميل النفط..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

ريما فارس ||

 

 

لم يعد ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية مجرد حركة مؤقتة تفرضها المضاربات، بل بات انعكاساً مباشراً للتوترات الأمنية التي تضرب أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فقد قفزت أسعار خام برنت بأكثر من ثلاثة دولارات للبرميل مع افتتاح التداولات، بعد ورود تقارير جديدة عن هجمات طالت سفناً في منطقة الخليج ومضيق هرمز، بالتزامن مع استمرار المخاوف على منشآت ومسارات تصدير النفط في المنطقة.

وتكمن خطورة ما يجري في أن مضيق هرمز ليس ممراً بحرياً عادياً، بل نقطة اختناق استراتيجية تمر عبرها كميات ضخمة من النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الأسواق الآسيوية. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في فترات سابقة نحو 20 مليون برميل يومياً، فيما تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبره كانت تقارب 20 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب، قبل أن تتراجع بصورة حادة نتيجة الاضطرابات.
لماذا يرتفع النفط بهذه السرعة؟

الأسواق لا تنتظر وقوع النقص فعلياً حتى ترفع الأسعار؛ يكفي أن تتزايد المخاوف من حدوثه. فكل ناقلة تتعرض للخطر تعني ارتفاع كلفة التأمين والشحن، وكل شركة نقل قد تتردد في إرسال سفنها عبر المنطقة، ما يؤدي إلى تقليص الإمدادات المتاحة ورفع علاوة المخاطر على سعر البرميل.

وتزداد الصورة تعقيداً مع تعطّل خط الأنابيب السعودي «شرق-غرب»، الذي يمثل أحد المسارات البديلة لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز. ووفق رويترز، فإن استمرار تعطله يهدد ما يصل إلى نحو 4% من الإمدادات العالمية، بينما أصبحت قدرة السعودية على تحويل صادراتها عبر مسارات بديلة أكثر محدودية.

وهنا تتحول الأزمة من مجرد «هجوم على سفينة» إلى مشكلة أوسع: ماذا لو أصبحت شركات الشحن غير مستعدة للمخاطرة؟ وماذا لو استمر تعطّل خطوط الأنابيب؟ وماذا لو اتسعت دائرة الهجمات إلى منشآت إنتاج وتخزين وتصدير النفط؟

عندها لن يكون الارتفاع في الأسعار مجرد رد فعل نفسي في البورصات، بل قد يتحول إلى نقص حقيقي في المعروض.
من يدفع ثمن ارتفاع النفط؟

ارتفاع سعر النفط لا يتوقف عند محطات الوقود. فالنفط يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكاليف النقل والصناعة والزراعة والتدفئة والكهرباء وإنتاج العديد من المواد والسلع.

فعندما يرتفع سعر برميل النفط، ترتفع كلفة نقل البضائع، ثم تنتقل الزيادة تدريجياً إلى أسعار المواد الغذائية والسلع المستوردة. كما يمكن أن ترتفع أسعار المشتقات النفطية، وخصوصاً الديزل، الذي يمثل عصباً أساسياً للشاحنات والنقل البحري والقطاعات الصناعية.

وهذا يعني أن استمرار أزمة الطاقة قد يتحول إلى موجة تضخمية عالمية جديدة، خصوصاً في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والوقود.

وقد بدأت الأسواق بالفعل في التقاط هذا الخطر؛ إذ أشارت رويترز إلى ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع ارتفاع حاد في أسعار الديزل في الولايات المتحدة.

وماذا عن الغاز؟
الخطر لا يقتصر على النفط. فمضيق هرمز يمثل أيضاً ممراً مهماً للغاز الطبيعي المسال، ولذلك فإن اضطراب الملاحة فيه يمكن أن يدفع أسعار الغاز إلى الارتفاع، خصوصاً في آسيا وأوروبا.

وهنا تظهر مشكلة إضافية: الدول التي تعجز عن الحصول على الغاز عبر الطرق المعتادة قد تضطر إلى البحث عن شحنات بديلة بأسعار أعلى، ما يرفع المنافسة العالمية على الغاز ويزيد فاتورة الطاقة.

وقد حذرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية سابقاً من أن انخفاض صادرات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز أدى إلى تراجع المعروض العالمي وارتفاع الفوارق السعرية بين الأسواق.

إلى أين تتجه الأسعار؟
المستقبل مفتوح على ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول هو التهدئة وعودة الملاحة تدريجياً. وفي هذه الحالة يمكن أن تتراجع علاوة الخطر سريعاً، وقد تهبط أسعار النفط حتى لو بقيت أعلى من مستويات ما قبل الأزمة لبعض الوقت. فالأسواق النفطية شديدة الحساسية للأخبار السياسية والأمنية.
أما السيناريو الثاني فهو استمرار الهجمات والاضطرابات لفترة طويلة. وهنا تصبح الأسعار أكثر عرضة للارتفاع، لأن المشكلة لن تعود مرتبطة بالخوف فقط، بل بتراجع الإمدادات الفعلية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتراجع المخزونات.

أما السيناريو الأخطر فهو اتساع الحرب وضرب البنية التحتية النفطية أو إغلاق المضيق بصورة أكثر شمولاً. عندها يمكن أن تدخل الأسواق مرحلة صدمة طاقة حقيقية، لأن البدائل المتاحة لن تكون قادرة بسهولة على تعويض كل الكميات التي تمر عبر المنطقة.
وتزداد المخاطر لأن المنطقة لا تشهد اضطراباً في مضيق هرمز فقط، بل تتقاطع فيها عدة نقاط اختناق للطاقة، من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب، بالتزامن مع تعطّل بعض البنى التحتية النفطية. وقد حذرت رويترز من أن الأزمة بدأت تتحول من اضطراب قصير الأجل إلى تحدٍّ اقتصادي عالمي طويل الأمد.

النفط كسلاح اقتصادي
المشهد الحالي يؤكد مرة أخرى أن الطاقة ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل ورقة قوة سياسية واستراتيجية. فمن يملك القدرة على التحكم بممرات الطاقة يستطيع التأثير في الأسعار والأسواق، ومن ثم الضغط على اقتصادات الدول المستهلكة.

ولهذا فإن معركة مضيق هرمز لا تُقاس فقط بعدد السفن التي تعبره، وإنما بما يمثله من تأثير على الاقتصاد العالمي بأكمله.
فكل يوم إضافي من الاضطراب يعني مزيداً من القلق في الأسواق، ومزيداً من تكاليف التأمين والنقل، ومزيداً من الضغط على أسعار الوقود والسلع، وصولاً إلى المستهلك الذي يجد نفسه في نهاية السلسلة أمام فاتورة معيشية أثقل.

وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: هل سيرتفع النفط؟
بل أصبح السؤال الأخطر: كم سيطول هذا الارتفاع، وإلى أي حد يمكن أن تمتد تداعياته إلى حياة الناس والاقتصادات العالمية؟
فالبرميل قد يرتفع ثلاثة دولارات في ساعات، لكن أثره على الأسعار والمعيشة قد يحتاج أشهراً حتى يظهر كاملاً. وإذا استمرت الاضطرابات في مضيق هرمز وتوسعت رقعة المخاطر، فإن العالم قد يكون أمام موجة غلاء جديدة عنوانها هذه المرة: أمن الطاقة قبل كل شيء.

ريما فارس