هل سيفتح هرمز بشروط وقواعد جديدة؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

لم يكن مضيق هرمز يوماً مجرد ممر مائي تعبره ناقلات النفط والسفن التجارية، فهو أحد أهم مفاتيح القوة في العالم، ومن يملك القدرة على التأثير فيه يستطيع أن يفرض نفسه على خرائط الإقتصاد والسياسة والأمن الدولي.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد اليوم: هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟ فهذا السؤال طُرح كثيراً، وتحول إلى جزء ثابت من كل أزمة بين طهران وواشنطن.
السؤال الجديد والأكثر أهمية هو: هل تريد إيران فعلاً إغلاق هرمز؟ أم أنها تريد أن تفتحه بقواعد جديدة؟ وهنا تكمن أهمية الإجتماع الإقليمي الذي كان من المفترض أن تستضيفه مدينة صلالة العُمانية لمناقشة الملاحة في مضيق هرمز قبل تأجيله، فالتأجيل بحد ذاته قد لا يعني فشل الإجتماع، لكنه يكشف أن الطريق نحو التفاهم ليس سهلاً، وأن هناك شيئاً أكبر من مجرد الإتفاق على مسارات عبور السفن، وأعتقد بأن تأجيل إجتماع صلالة بسبب الخلاف على (من يضع قواعد الملاحة الجديدة؟)
من التهديد بالإغلاق إلى المشاركة في الإدارة..
لسنوات طويلة إستخدمت إيران مضيق هرمز بوصفه ورقة قوة وردع، وكلما إرتفعت العقوبات أو إقتربت المواجهة، عاد إسم هرمز إلى الواجهة، وعادت معه التهديدات بإغلاق الممر أو تعطيل الملاحة.
لكن إيران اليوم قد تكون أمام فرصة لتغيير هذه المعادلة بالكامل؛ فبدلاً من أن تبقى الدولة التي يخشى العالم من إغلاقها للمضيق، تستطيع أن تقدم نفسها بإعتبارها الدولة التي لا يمكن تأمين المضيق من دون مشاركتها، وهذا تحول سياسي وإستراتيجي كبير.
الفرق بين العبارتين بسيط في الكلمات، لكنه عميق في المعنى: إيران تستطيع أن تغلق هرمز، ولا أحد يستطيع ضمان أمن هرمز من دون إيران.
في الأولى، إيران مصدر تهديد، وفي الثانية، إيران شريك لا يمكن تجاوزه، وربما تكون هذه هي المعادلة التي تسعى طهران إلى تثبيتها.
لماذا الآن؟ .. لأن المنطقة تقف أمام مرحلة مختلفة، الولايات المتحدة تريد حماية الملاحة الدولية من دون الإنزلاق إلى حرب مفتوحة، دول الخليج تريد حماية صادراتها وإستثماراتها وإقتصاداتها، عُمان تريد منع البحر من التحول إلى جبهة جديدة.
أما إيران، فتريد أن تثبت أنها ليست دولة يمكن عزلها عن ترتيبات أمن المنطقة، ومن هنا يصبح ملف الملاحة فرصة سياسية.
فبدلاً من أن يكون هرمز عنواناً للتهديد، يمكن تحويله إلى طاولة تفاوض، وبدلاً من أن تكون إيران خارج ترتيبات أمن الخليج، تصبح جزءاً من ترتيبات حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لكن هل ستقبل دول الخليج بهذه المعادلة؟
صلالة.. الإجتماع الذي أخفى أكثر مما أعلن..
إختيار صلالة العمانية لم يكن مجرد إختيار جغرافي، فعُمان تعرف إيران جيداً، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مستقرة مع دول الخليج والولايات المتحدة، ولهذا تمتلك مسقط قدرة على فتح الأبواب التي تبقى مغلقة أمام الآخرين، لكن تأجيل الإجتماع يثير أسئلة مشروعة.
إذا كانت القضية مجرد تأمين مسارات للسفن، فلماذا إحتاجت الأطراف إلى مزيد من الوقت؟ وإذا كان الجميع متفقاً على مبدأ حرية الملاحة، فأين تكمن المشكلة؟
ربما لأن الخلاف لم يكن حول المبدأ، بل حول من يدير التفاصيل.
من يحدد الممرات الآمنة؟
من يراقبها؟
من يتدخل عند وقوع حادث؟
ومن يضمن ألا تتحول الترتيبات الأمنية إلى نفوذ سياسي دائم؟
وهنا يبدو أن صلالة لم تكن تناقش البحر فقط، بل كانت تناقش مستقبل التوازن في الخليج.
إيران تريد الإعتراف.. لا الممر فقط..
ربما لا تحتاج إيران إلى إتفاق يمنحها حقاً قانونياً جديداً في هرمز، فالجغرافيا منحتها أصلاً موقعاً لا يمكن تجاهله؛لكنها تحتاج إلى شيء آخر: الإعتراف السياسي بدورها، وهذا هو الفارق.
أعتقد بأن طهران تريد أن تقول: لا يمكن الحديث عن أمن الخليج من دون إيران، ولا يمكن الحديث عن الملاحة في هرمز من دون إيران، ولا يمكن بناء نظام أمني جديد في المنطقة عبر تجاهل إيران.
وإذا نجحت في تحويل هذه الرسالة إلى تفاهم إقليمي، فإنها ستكون قد حققت مكسباً أكبر بكثير من مجرد فتح أو إغلاق ممر بحري، لكن الخليج لديه حسابات أخرى
دول الخليج لا يمكن أن تقبل بأي ترتيبات تجعل أمنها الإقتصادي رهينة طرف واحد.
فالملاحة بالنسبة إليها ليست قضية سياسية مؤقتة؛ إنها حياة إقتصادية كاملة، (نفط، غاز، تجارة، إستثمار، موانئ ومشاريع مستقبلية.)
ولهذا فهي تحتاج إلى ضمانات واضحة: أن تبقى الملاحة حرة وأن لا يتحول أي إتفاق إلى حق في تعطيلها، وأن لا يصبح أمن البحر أداة لفرض النفوذ السياسي، ومن هنا يمكن فهم صعوبة التوصل إلى تفاهم سريع، فالجميع يريد الملاحة الآمنة لكن ليس الجميع يريد أن يدفع الثمن السياسي نفسه.
أين تقف الولايات المتحدة؟
قد لا تكون واشنطن جالسة على طاولة صلالة، لكنها بالتأكيد ليست بعيدة عن البحر، فالولايات المتحدة تعتبر حرية الملاحة في هرمز قضية إستراتيجية دولية، وأي تفاهم إقليمي جديد سيضعها أمام سؤال حساس: هل تقبل واشنطن بتفاهم تقوده دول المنطقة؟ أم ترى فيه محاولة لتقليص دورها العسكري والسياسي؟ وهنا تكمن العقدة الكبرى.
إيران تريد تقليص قدرة الولايات المتحدة على إحتكار ملف أمن الخليج؛ والولايات المتحدة لا تريد أن يتحول الفراغ إلى نفوذ إيراني أكبر، أما دول الخليج، فهي تحاول أن تجد مساحة بين الأمن الأمريكي والحوار الإقليمي، ووسط هذه الحسابات، يبقى هرمز هو الجائزة الكبرى.
العراق خارج المضيق وداخل المعادلة..
قد يبدو العراق بعيداً جغرافياً عن مضيق هرمز، لكنه ليس بعيداً عن نتائجه.
إن أي أزمة في الملاحة ستنعكس على سوق النفط والإقتصاد الإقليمي والعلاقات السياسية، ولهذا فإن حضور العراق في أي حوار إقليمي يجب أن يكون فرصة لتأكيد مبدأ مهم: العراق ليس جزءاً من محور ضد محور.
مصلحة العراق هي في بحر آمن، وإقتصاد مستقر، ومنطقة لا تتحول إلى ساحة حرب، لكن العراق يستطيع أيضاً أن يدعم فكرة مهمة: أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى بالقوة وحدها، ولا يمكن أن يُبنى أيضاً بتجاهل مصالح الدول الأساسية فيها.
المعادلة يجب أن تكون: لا هيمنة، لا تهديد ولا إقصاء.. ولا إبتزاز.
هل ستتغير قواعد اللعبة؟ الجواب: ربما.. لكن ليس لأن إيران وحدها تريد تغييرها، فالمنطقة كلها تغيرت والثقة بين الحلفاء لم تعد كما كانت، فالولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها؛ ودول الخليج تبحث عن إستقلالية أكبر في القرار، أما إيران فتبحث عن إعتراف بدورها الإقليمي، وعُمان تحاول أن تمنع إنهيار الجسور الأخيرة للحوار.
وفي هذه اللحظة، يظهر هرمز مجدداً ليس بإعتباره ممراً مائياً، بل باعتباره مختبراً للنظام الإقليمي الجديد.
بين هرمز وصلالة..من يكتب القواعد الجديدة؟
ربما يكون تأجيل إجتماع صلالة هو بداية القصة، لا نهايتها، فالأطراف قد تعود إلى الطاولة وقد يتم التوصل إلى تفاهمات، وقد تفشل المفاوضات، لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً: هرمز لم يعد مجرد ورقة تهديد، لقد أصبح ورقة تفاوض، وإيران لم تعد تطرح نفسها فقط بإعتبارها قوة تستطيع التأثير في المضيق، بل بإعتبارها طرفاً يريد أن يكون جزءاً من رسم مستقبله.
وهنا سيكون الإمتحان الحقيقي، فهل ستستطيع طهران إقناع جيرانها بأن دورها يحقق الأمن ولا يصنع نفوذاً جديداً؟ وهل ستستطيع دول الخليج الوصول إلى تفاهمات إقليمية من دون التخلي عن ضماناتها الدولية؟ وهل ستقبل الولايات المتحدة بأن تكتب دول المنطقة جزءاً من قواعد أمنها بنفسها؟
أسئلة كثيرة، لكن السؤال الأهم يبقى: هل تريد إيران أن تفتح هرمز للعالم.. أم أن تفتح للعالم طريقاً جديداً للإعتراف بشروطها؟
ربما لا يكون الهدف الحقيقي من صلالة هو تنظيم عبور السفن فقط، وربما لا يكون تأجيل الإجتماع مجرد مشكلة في المواعيد، فما يجري بين هرمز وصلالة قد يكون بداية صراع هادئ على إعادة توزيع النفوذ في الخليج.
وفي هذا الصراع، لن يكون الإنتصار لمن يملك أكبر سفينة أو أقوى أسطول فقط..بل لمن ينجح في كتابة القواعد التي سيسير وفقها الجميع.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




