استعادة القرار السيادي في البحر الأحمر..!
العميد القاضي الدكتور. حسن حسين الرصابي

إن الجغرافيا السياسية لليمن – وفي قلبها الإشراف التاريخي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن – هي المحدد الأساسي لصياغة التحالفات ورسم مخططات الاستهداف عبر التاريخ؛ إذ تُدرك المطابخ الاستخبارية الدولية والإقليمية أن يمناً قوياً، مستقلاً بقراره، ومتحكماً بممراته الملاحية، يمثل الحصن الحصين والخط المباشر في مواجهة التوجهات الصهيونية والأمريكية في المنطقة.
مرتكزات الاستهداف وأسبابه الاستراتيجية
تتعدد الأسباب الاستراتيجية التي جعلت من هذا الشريط المائي نقطة استنزاف دائم لليمن، وأبرزها:
– الموقع الحاكم بوجه الكيان الصهيوني: إن امتلاك اليمن لقرار الملاحة في باب المندب يجعله قوة ردع مباشرة ومؤثرة ضد المشاريع الصهيونية وحلفائها، ومصدراً لإرباك خططهم البحرية والاقتصادية.
– منع التنمية وحظر الاستقلال: الإصرار الخارجي على إبقاء اليمن في دوامة عدم الاستقرار لمنع نهوضه ودخوله حلبة الدول المؤثرة التي يصعب تقويضها.
– توظيف المعاناة للضغط الإقليمي: إدامة الأزمات الداخلية لتكون ورقة ضغط على المحيط العربي والإقليمي لتمرير مشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني.
– الأطماع في الثروات الكامنة: السعي المستمر للاستحواذ على الخيرات والموارد الواعدة في أعماق البحر الأحمر وعبر شواطئه الحيوية.
أدوات التفتيت وآليات التضليل
ركّزت المطابخ الاستخباراتية على ابتداع أساليب التتويه وتغذية الصراعات المجتمعية وتعدد الولاءات؛ من خلال إنشاء تشكيلات مسلحة وتغذية تناقضاتها لضمان استدامة “صراعات صغيرة ملتهبة” تُحدث شرخاً في السلم الاجتماعي وتتيح للقوى النافذة فرض إملاءاتها، فضلاً عن تثبيت الهدن الهشة التي تُجمّد الحلول وتُبقي إدارة الثروات الوطنية معطلة وواقعة تحت الابتزاز.
المستجدات الميدانية وقراءة في التحول الأخير
جاءت التطورات الميدانية المتسارعة بالسيطرة على المديريات الخمس بالساحل الغربي (حيس، الخوخة، المخا، الوازعية، وذباب باب المندب)، وتأمين الجزر الحاكمة (ميون، زقر، وحنيش الكبرى والصغرى)، لتسقط هذه الرهانات وتضع التحليل الاستراتيجي أمام واقع ميداني جديد:
– إنهاء حالة التفتيت الجغرافي: سقوط مخطط تجزئة الساحل وانكشاف هشاشة التشكيلات التي أُنشئت لإدامة الصراع البيني لحساب الأطراف الخارجية.
– استعادة المعادلة البحرية: عودة الإشراف المباشر على مضيق باب المندب والجزر الاستراتيجية تُعيد اليمن إلى موقع الفاعل المباشر في تأمين مياهه السيادية ورسم قواعد الردع البحرية.
– قطع الطريق على الهدن الهشة: التحول الأخير ينهي استراتيجية إدارة الأزمة بـ “اللا سلم واللا حرب”، ويوحد الشريط الساحلي والبحري تحت قرار وسيادة واحدة.
إن جغرافيا البحر الأحمر لم تكن لعنةً بذاتها، بل كانت مطمعاً للمشاريع الخارجية ومجالاً لتدافع الإرادات. ومع هذه التحولات الميدانية، يسقط رهان التقسيم وتُستعاد المبادرة السيادية على واحد من أهم خطوط التجارة والملاحة في العالم.




