المقاومة الثقافية.. الأسباب الذاتية “لانتكاسة” المجتمع المقاوم..!
د. نسيب حطيط ||

يعيش المجتمع المقاوم حالة انتكاسة شاملة على المستوى العقائدي والسلوكي والسياسي والعسكري، حيث تحول إلى مجتمع نازح ديمغرافياً وسياسياً، وهو على مشارف النزوح العقائدي والتخلي عن بعض المفاهيم والثوابت تحت وطأة الإبادة الشاملة التي يتعرض لها من التحالف الأمريكي – الإسرائيلي وحيداً دون إسناد حقيقي ومؤثر يخفف عنه بعض الأحمال، ويعطيه جرعة أمل بقرب نهاية محنته، مع تهديده بتوسع الاحتلال، وتصريحات قياداته بأنه لا يستطيع أحد منع الاحتلال من التوسع وأن لا حلول قريبة، بالإضافة إلى غياب المساعدات للإيواء ولتأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود، مما جعله سجين القصف والتهديد والتهجير واليأس.
يطرح أهل المقاومة أسئلة مركزية وجوهرية بانتظار أن تجيب القيادات السياسية والدينية عليها لمعرفة مستقبلهم، حتى لا تبقى في دائرة المجهول، مما تجعلهم مجتمعاً مستسلماً مشلولاً لا يستطيع حماية نفسه، وإظهاره كطائفة “سبيّة” يستبيحها الآخرون ويطمعون في شراء ذممها وعقيدتها وموقفها، ،يمكن أن تتنازل عن كل ثوابتها وما تملك مقابل البقاء على قيد الحياة وفق الشروط والمواصفات التي يفرضها المشترون من المحتلين او السلطة الطارئين!
ويسأل أهل المقاومة..
هل أُغلقت كل نوافذ الأمل والنجاة حتى نستسلم؟
هل خسرنا كل أوراق القوة التي كنا نملكها، ولم يتبقَّ ما نستطيع مقايضته أو الدفاع به عن أنفسنا ومستقبلنا؟
هل تنحصر أسباب الانتكاسة التي تعرضنا لها بالحرب الإسرائيلية؟
هل نحن مسؤولون أصيلون عن هذه الانتكاسة بسلوكياتنا وعدم حسن إدارتنا، مما مكّنت العدو المتربص بنا للتوغل وإحداث التشققات والتصدعات العقائدية والمجتمعية؟
هل استسلمت القيادات وصارت عاجزة عن تقديم أي حل او باب نجاة لأن الحرب صارت أكبر من قدراتها، وأن مفاتيح الحل صارت خارج لبنان؟
خلافاً لما يظنّه البعض فإننا لم نصل إلى مستوى الهزيمة الشاملة التي لا نستطيع النهوض منها، بل نحن في انتكاسة ظرفية نتيجة تراكمات سلوكية وعقائدية طوال 40 عاماً ولكي ننجو -ونستطيع أن ننجو بإذن الله- إذا تم تشخيص الأسباب المرتبطة بالمجتمع المقاوم قياداتٍ وجمهوراً، وقررنا البدء بإصلاحها اعتماداً وبناءً على التوجيه الإلهي(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، مما يعطي الأمل بالتغيير بشرط أن نبدأ الخطوة الأولى في مجتمعنا.
ومن هذه الأسباب التي يجب معالجتها بشكل صادق غير مخادع للنفس ولله سبحانه وتعالى:
– السبب العقائدي الجوهري، بعدما انزلقنا ،بدون قصد وبغفلة لنعتقد أن الصواريخ والسلاح والقدرة الحزبية والبشرية هي الكفيلة بالنصر، ونسينا أن النصر من عند الله -مع أننا نلفظه – فوقعنا في خطيئة نسيان الله سبحانه ، فأنسانا الله أنفسنا عبر ربط الأمان والنصر لمجتمعنا بوجود قائد أو زعيم أو تنظيم أو فقيه، و طالما أنه موجود فنحن بخير، مع أن العقيدة تقول، طالما أن الله معنا فنحن بخير!
• رفع شعارات فوق قدراتنا وخارج مسؤولياتنا الشرعية والسياسية والمغالاة، بتضخيم قدراتنا وإمكانياتنا العسكرية، فصرنا سجناء ما قلناه، مما أصاب الناس بالخيبة بعدما أفاقت على الحقيقة و كانت ضحية من أطلقها.
– عدم بناء مجتمع مقاوم والاكتفاء ببناء مقاومة عسكرية نوعية واستثنائية استطاعت تحرير الأرض وتثبيت توازن الردع، إلا أنها لم تستطع بناء مجتمع مقاوم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي بسبب ظروف تتعلق بها وهي مسؤولة عنها، وظروف خارجة عن إرادتها نتيجة الحصار المفروض عليها.
– تعامل البعض مع “المقاومة” على انها مهنة ووظيفة مدفوعة الراتب والحوافز وليست واجبا دينيا ووطنيا عماده “التطوع”!
– إهمال معالجة التآكل الداخلي الذي أصاب المجتمع على المستوى الاجتماعي من مخدرات وانحرافات أخلاقية وهشاشة في العقيدة، وعدم محاربة الربا المقنّع، ومهادنة ومحاباة الفساد وصولاً إلى الوقوع فيه وعدم محاربته.
– الانفصال والانفصام بين السلوكيات السياسية والاجتماعية للقيادات و”بطَر” بعضها وبين الجمهور العام وبممارسة العنصرية الحزبية لجهة الوظائف والتمثيل النيابي والوزاري بوضع اليد على حقوق الطائفة ومصادرتها لمصالح الحزبيين على حساب الكفاءة والحق الشرعي بالوظيفة، مما أبعد شريحة كبرى من المظلومين أصحاب الكفاءة ونظافة الكف، واستبدالهم بشريحة الفاسدين والانتهازيين والفاشلين والكذَبة، مما أنتج مجتمعاً مشوّهاً ومعوّقاً.
لا زلنا قادرين على إصلاح الأمور والنهوض ثانية وهزيمة الاحتلال وتحرير الأرض والعودة وإعادة الإعمار، بشرط أن تبدأ مسيرة الإصلاح بتغيير الأنفس والسلوكيات للقيادات والناس وإن لم نبادر فلن تبقى طائفة، ولن تُحرر أرض، ولن تبقى قيادات ولا أحزاب، وسنكون على حافة الانتحار الجماعي، ونسهّل للأعداء قتلنا وإبادتنا.
انفروا للجهاد الأكبر…لحماية الجهاد الأصغر.
د.نسيب حطيط




