الأحد - 13 سبتمبر 2026

هل نريد مدرسة تحفظ الماضي أم تصنع المستقبل؟!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 13 سبتمبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

مع اقتراب إنطلاق العام الدراسي الجديد، تتجدد الأسئلة المعتادة حول المناهج والكتب والامتحانات والدرجات، لكن ثمة سؤالاً أكثر أهمية ينبغي أن يسبق جميع هذه الأسئلة: أي إنسان نريد أن تخرّج مدارسنا بعد اثني عشر عاماً من التعليم؟

هل نريد طالباً يحفظ المعلومة كما وردت في الكتاب، ثم يستعيدها في ورقة الامتحان وينساها بعد ذلك؟، أم نريد عقلاً قادراً على الفهم والتحليل والمقارنة والنقد، يمتلك الشجاعة ليسأل عن صحة المعلومة، والدليل الذي تستند إليه، وإمكانية تصحيحها عندما يكتشف خطأها؟.

هذه ليست قضية تربوية هامشية، بل قضية تتصل مباشرة بمستقبل العراق. فالدولة التي تريد بناء إقتصاد منتج، ومؤسسات كفوءة، وإدارة قادرة على معالجة الأزمات، ومجتمع يمتلك وعياً سياسياً وثقافياً، لا تستطيع الإعتماد على جيل جرى تدريب عقله على الحفظ أكثر مما جرى تدريبه على التفكير.

وهنا يظهر السؤال الأعمق: إذا كانت المنظومة التعليمية لا تنتج إنساناً قادراً على النقد الإيجابي والفهم والتحليل، فأين تكمن المشكلة؟، في المنهج، أم في من يطبقه؟… الإجابة لا يمكن اختزالها في أحدهما.

فالمنهج عنصر أساسي، لكنه ليس المنظومة كلها. هناك المعلم الذي يفسر ويطرح الأسئلة، والإدارة التي تحدد طبيعة البيئة التعليمية، والامتحان الذي يحدد ما الذي سيجتهد الطالب من أجله، والأسرة التي تشكل علاقته بالنجاح والفشل، والثقافة المدرسية التي تحدد ما إذا كان السؤال الجريء فضيلة أم مشكلة. قد يكون المنهج حديثاً، لكن إذا كان المعلم يقدمه باعتباره حقيقة مغلقة، فلن يتغير الكثير.

وقد يكون المعلم متميزاً، لكن إذا كان نظام التقييم يكافئ الحفظ وحده، فسوف يجد الطالب نفسه مضطراً إلى حفظ الإجابات بدلاً من بناء أدوات التفكير. والأخطر من ذلك أن بعض البيئات التعليمية تجعل الخطأ عيباً، والسؤال اعتراضاً، والنقاش خروجاً عن المألوف. وبذلك يتعلم الطالب مع مرور السنوات أن السلامة في “الصمت” ، وأن أفضل إجابة هي الإجابة التي يريدها الآخرون، لا الإجابة التي يصل إليها العقل بعد البحث. لكن النقد لا يعني الرفض، والاستقلال الفكري لا يعني العناد، والشجاعة في التصحيح لا تعني التقليل من إحترام المعلم أو الكتاب. النقد الحقيقي يحتاج إلى معرفة، والمنهج العلمي يحتاج إلى دليل، والاختلاف المسؤول يحتاج إلى أدب وحجة. وهذه بالضبط هي المهارات التي ينبغي أن تصبح جزءاً من العملية التعليمية.

العراق لا يحتاج إلى طالب يعرف فقط «ماذا حدث»، بل إلى طالب يستطيع أن يسأل «لماذا حدث؟»، ولا يحتاج إلى موظف ينفذ التعليمات فقط، بل إلى إنسان يستطيع اكتشاف الخلل واقتراح الحل. فالمؤسسات القوية لا تُبنى بأشخاص يخافون من الإعتراف بالخطأ، وإنما بعقول تستطيع اكتشافه وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة.

ومن هنا فإن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تغييراً للكتب وحدها. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف وظيفة المدرسة: ليست المدرسة مكاناً لتخزين المعلومات، وإنما مؤسسة لبناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة ، واستخدامها وتحليلها وتحويلها إلى قرار وعمل. فالطالب قد ينسى بعد سنوات قانوناً أو تاريخاً أو تعريفاً، وهذا أمر طبيعي. لكنه إذا خرج من المدرسة وهو يعرف كيف يبحث، وكيف يتحقق، وكيف يميز بين الحقيقة والرأي، وكيف يناقش الفكرة دون أن يعادي صاحبها، وكيف يعترف بخطئه عندما يكتشفه، فقد أمتلك ما هو أبقى من المعلومة نفسها.

وإن مستقبل العراق لن تحدده المناهج وحدها، بل نوعية العقول التي ستدير الدولة والإقتصاد والمجتمع خلال العقود المقبلة. ولهذا، ومع بداية كل عام دراسي، ينبغي ألا يكون السؤال: كم معلومة سيدخلها الطالب إلى ذاكرته؟، بل: كم قدرة سيكتسبها ليصنع بها مستقبله ومستقبل بلده؟…فهناك فرق كبير وجوهري بين مدرسة تخرّج حافظين للمعلومات، ومدرسة تخرّج صانعي معرفة وقرار. والعراق اليوم أحوج ما يكون إلى النوع الثاني، لكي يتقدم ويضمن المستقبل .

كندي الزهيري…