الاثنين - 14 سبتمبر 2026

من هرمز إلى البحر الأحمر_ هل بدأت الضربة القاضية لحسابات ترامب؟!

منذ يوم واحد
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

كاظم الطائي _Nor

 

 

 

ما يجري الآن من هرمز إلى البحر الأحمر لم يعد مجرد فصل جديد من الحرب الأمريكية مع إيران، ولا سلسلة من العمليات العسكرية التي يمكن قراءة كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى. خلال فترة قصيرة اتسعت رقعة المواجهة من الضربات المباشرة إلى مساحة أكثر تعقيدًا، دخلت فيها الجغرافيا البحرية والطاقة والتجارة والأسواق والتحالفات الدولية في صلب المعادلة.

ففي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن إدارة المواجهة مع طهران، عاد اليمن إلى قلب المشهد من بوابة باب المندب، مع التطورات الأخيرة حول جزيرة ميون ومناطق الساحل، لتظهر أمام الولايات المتحدة نقطة ضغط جديدة ترتبط بأحد أهم الممرات البحرية في العالم. وبذلك لم يعد هرمز والبحر الأحمر مسارين منفصلين في حسابات الحرب، وإنما أصبح اضطراب أحدهما يرفع أهمية الآخر، فيما تمتد آثار المواجهة إلى أسعار النفط وحركة التجارة والتأمين وسلاسل الإمداد.

وقد بدأت الأسواق تتعامل مع هذه التطورات باعتبارها أزمة تتجاوز حدود الشرق الأوسط. تجاوز النفط حاجز المئة دولار، فيما تعرض خط أنابيب سعودي يمثل أحد مسارات نقل النفط البديلة عن هرمز لهجوم أدى إلى تعطله مؤقتًا. وهذه التطورات تكشف شيئًا بالغ الأهمية: الحرب لم تعد تُقاس فقط بما تستطيع الطائرات والصواريخ تدميره، وإنما بما تستطيع الأطراف المتصارعة تعطيله من شبكات وممرات ومصالح مرتبطة بالاقتصاد العالمي.

وهنا تبدأ الجغرافيا في الدخول إلى قلب الحرب.

الجغرافيا التي تتحول إلى سلاح_

هرمز ليس مجرد ممر مائي، وباب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة. كلاهما جزء من شبكة عالمية تتحرك عبرها الطاقة والبضائع، ولذلك فإن ارتفاع مستوى المخاطر فيهما قادر على إعادة صياغة حسابات شركات النقل والطاقة والتأمين، حتى قبل أن يصل الأمر إلى إغلاق كامل لأي من الممرين.

فاضطراب الملاحة لا يحتاج إلى حرب شاملة حتى يصبح ذا أثر عالمي. يكفي أن ترتفع درجة المخاطرة، وأن تصبح السفن أمام تكاليف تأمين أعلى، وأن تضطر شركات النقل إلى إعادة حساب مساراتها، وأن ترتفع كلفة الوقود والنقل. عندها تتحول الجغرافيا من مساحة تتحرك فوقها الجيوش إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي.

وهذه هي النقطة التي تجعل هرمز مختلفًا عن ساحة عسكرية تقليدية. أهميته لا تنبع من موقعه وحده، وإنما من موقعه داخل سلسلة اقتصادية تبدأ بالطاقة ولا تنتهي عند الأسواق. وأي اضطراب طويل الأمد يمكن أن ينتقل من المنطقة إلى أسعار النفط وكلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد، ثم يصل في النهاية إلى المستهلك في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الشرق الأوسط.

لكن المعادلة لم تتوقف عند هرمز.

من هرمز إلى البحر الأحمر_

اليمن دخل إلى المشهد من بوابة الجغرافيا نفسها _

فالبحر الأحمر وباب المندب يمثلان نقطة أخرى شديدة الحساسية في شبكة الملاحة العالمية، والتطورات الميدانية الأخيرة حول جزيرة ميون ومناطق الساحل تمنح هذه المنطقة وزنًا إضافيًا في حسابات الأمن البحري والتجارة والطاقة.

وهنا تظهر أهمية الانتقال من هرمز إلى البحر الأحمر _

فالضغط على ممر استراتيجي لا يحتاج بالضرورة إلى توسع الحرب عسكريًا كي يحقق أثره. يكفي أن تتعدد نقاط المخاطرة حتى تجد القوة الكبرى نفسها أمام شبكة أوسع من الحسابات، وعندها يصبح جزء من القوة مخصصًا لحماية الممرات والمنشآت والأسواق بدل استخدامه لتحقيق الهدف السياسي الأصلي للحرب.

وهذا يقود إلى تغير جوهري في طريقة قراءة الصراع _

لم يعد معيار القوة هو فقط حجم الضربات أو عدد الأهداف التي يمكن تدميرها. أصبح السؤال متعلقًا أيضًا بمن يستطيع جعل الحرب أكثر كلفة بالنسبة إلى خصمه.

فالولايات المتحدة تمتلك تفوقًا جويًا وبحريًا هائلًا، لكنها لا تستطيع التحكم بالكامل في رد فعل الأسواق، ولا في قرارات شركات الشحن، ولا في تكلفة التأمين، ولا في حركة أسعار الطاقة. وهذه العوامل قد تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها تتحول سريعًا إلى عناصر سياسية عندما تبدأ بالوصول إلى حياة المواطن.

عندما تتحول الحرب إلى فاتورة داخلية _

هذه إحدى أهم قواعد الحروب الحديثة: ليس بالضرورة أن تنتصر على خصمك عسكريًا لكي تمنعه من تحقيق النصر السياسي الذي يريده.

فالطرف الأقل قوة يستطيع أحيانًا أن يغير البيئة التي تتحرك فيها القوة الكبرى، وأن يفتح أمامها مسارات إضافية للاستنزاف، وأن يجعل حماية المصالح أكثر تكلفة، وأن يطيل الزمن المطلوب للوصول إلى نتيجة سياسية.

وهنا يصبح مفهوم الانتصار أكثر تعقيدًا _

إذا كانت واشنطن تريد حسم الحرب بشروط سياسية واضحة، فإن إطالة المواجهة وتعدد ساحاتها وارتفاع كلفتها الاقتصادية والسياسية تستطيع تغيير معنى الحسم نفسه. فالضربة القاضية لا تكون دائمًا في تدمير قاعدة عسكرية أو إسقاط هدف استراتيجي، وإنما قد تكون في الوصول إلى لحظة يصبح فيها ثمن تحقيق الهدف أعلى من قيمة الهدف ذاته.

وعندما ترتفع أسعار الطاقة والنقل، وتزداد تكلفة التأمين والتجارة، يبدأ المواطن الأمريكي بالدخول إلى المعادلة، حتى وإن لم يكن حاضرًا في ساحة المعركة.

عندها تتحول السياسة الخارجية إلى سياسة داخلية.

وهذا تحديدًا ما يجعل حسابات ترامب أكثر صعوبة؛ لأن الحرب التي يمكن أن تبدو قابلة للإدارة عسكريًا قد تصبح أكثر تعقيدًا عندما تبدأ نتائجها الاقتصادية والسياسية بالظهور داخل الولايات المتحدة.

واشنطن لا تواجه إيران وحدها _
لكن قراءة الحرب من زاوية إيران واليمن فقط لا تكفي.

فالولايات المتحدة تتحرك داخل نظام دولي لم يعد يتحرك وفق مركز واحد. الصين توسع حضورها الاقتصادي والتكنولوجي والاستراتيجي، وروسيا تحافظ على وزنها العسكري والجيوسياسي، بينما تبحث قوى إقليمية متعددة عن مساحة أكبر للمناورة وتنويع العلاقات.

وهذا يعني أن كل أزمة تخوضها واشنطن لا تحدث في فراغ.

كل مورد عسكري وسياسي واقتصادي تستنزفه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يدخل ضمن حساب أوسع يتعلق بالمنافسة الدولية. وكلما طال أمد الحرب، أصبحت قدرة واشنطن على توزيع مواردها بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا وسائر ملفات المنافسة أكثر أهمية.

ومن هنا يظهر الفارق بين امتلاك القوة والقدرة على توظيفها.

الولايات المتحدة قادرة على خوض الحرب، لكن قدرتها على إدارة نتائج الحرب في الوقت نفسه الذي تواجه فيه منافسين استراتيجيين آخرين هي القضية الأكثر أهمية.

أعمدة الهيمنة الأمريكية أمام اختبار جديد _
قامت الهيمنة الأمريكية خلال العقود الماضية على منظومة متكاملة من عناصر القوة: الدولار، والتفوق العسكري، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والتحالفات، والقدرة على التأثير في القرارات السياسية والاقتصادية لدول عديدة.

وهذه المنظومة لم تختفِ.

ومن الخطأ الحديث عن انهيار أمريكي وشيك أو سقوط شامل. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك واحدًا من أكبر الاقتصادات في العالم، وأقوى الجيوش، ونفوذًا ماليًا واسعًا، وشبكة تحالفات يصعب على أي دولة أخرى منافستها في المدى القريب.

لكن المشكلة ليست في اختفاء عناصر القوة، وإنما في تراجع قدرتها على إنتاج النتائج السياسية نفسها التي كانت تنتجها في السابق.

فالهيمنة لا تنتهي عندما تختفي القوة، وإنما تبدأ بالتآكل عندما تصبح القوة أقل قدرة على تحويل نفسها إلى إرادة سياسية نافذة.

وهنا تظهر التحولات الدولية بوضوح_
الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، وإنما أصبحت منافسًا في التكنولوجيا والصناعة والتجارة وسلاسل الإمداد والنفوذ الدولي. وروسيا، رغم القيود التي تواجهها، ما زالت تمتلك أدوات عسكرية وجيوسياسية تمنحها قدرة على التأثير في عدد من الملفات الدولية.

أما دول المنطقة، فقد أصبحت أكثر استعدادًا لتنويع علاقاتها وعدم ربط مصالحها بمركز واحد. وهذا لا يعني أنها ابتعدت بالكامل عن واشنطن، لكنه يعني أن هامش المناورة لديها أصبح أكبر.

إيران واختبار حدود القوة الأمريكية…
في قلب هذه المعادلة تأتي إيران.

وبصرف النظر عن الموقف السياسي منها، فإن الحرب أظهرت أن طهران ليست خصمًا يمكن إخضاعه بسهولة عبر التفوق العسكري وحده. فموقعها الجغرافي، وقدرتها على الرد، وشبكة علاقاتها الإقليمية، وقدرتها على رفع تكلفة المواجهة، كلها عوامل تجعل الحرب معها مختلفة عن حرب سريعة يمكن إنهاؤها بضربة عسكرية حاسمة.

وهنا تظهر إحدى أهم نتائج المواجهة:

التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة القدرة على الحسم السياسي.

فالولايات المتحدة تستطيع تدمير أهداف عسكرية، لكنها تواجه مشكلة مختلفة عندما يكون الخصم قادرًا على الاستمرار ورفع الكلفة وإعادة إنتاج الضغوط.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للقوة_

فإذا لم يتحول التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة، فإن السؤال ينتقل من قدرة الدولة على الضرب إلى قدرتها على الاستمرار، ومن حجم قوتها إلى قدرتها على تحمل تكلفة استخدامها.

الحلفاء بين الحماية الأمريكية وكلفة المواجهة

ولا يمكن تجاهل موقع حلفاء واشنطن في هذه المعادلة.

فدول المنطقة تحتاج في جوانب عديدة إلى المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول إلى أطراف تدفع ثمن حرب لا تملك قرار بدايتها ولا القدرة على تحديد نهايتها.

ومع تغير موازين القوى، يصبح هامش الحركة أكثر حساسية.

وهذا يضع واشنطن أمام معادلة صعبة: عليها أن تحافظ على الردع، وأن تطمئن حلفاءها، وأن تحمي مصالحها، دون أن تتحول إلى الطرف الذي يتحمل وحده تكلفة شبكة واسعة من الالتزامات.

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع تجاهل المنافسة الأكبر مع الصين وروسيا.

وهكذا تتحول المسألة من معادلة عسكرية إلى معادلة إدارة للقوة.

ترامب أمام معادلة بلا خيار مريح

من هنا يمكن فهم المأزق الذي يواجهه ترامب.

التراجع يمكن أن يُقرأ سياسيًا باعتباره تراجعًا أمام الخصم، بينما التوسع في الحرب يفتح احتمالات تعدد الجبهات. أما استمرارها لفترة طويلة، فيعني ارتفاع كلفة الطاقة والتجارة والنقل والتأمين، ويجعل الرأي العام والاقتصاد الداخلي جزءًا من معادلة القرار.

وهذا هو الجانب الذي لا تظهره الخرائط العسكرية.

فالرئيس الأمريكي لا يدير حربًا خارجية في فراغ، وإنما يديرها داخل مجتمع منقسم سياسيًا، واقتصاد شديد الحساسية تجاه أسعار الطاقة، وناخب يريد معرفة ثمن أي التزام عسكري خارجي.

ولهذا فإن المعضلة أمام ترامب ليست في القدرة على الضرب، وإنما في القدرة على الوصول إلى نهاية سياسية للحرب دون أن تصبح تكلفة الوصول إليها أعلى من المكاسب التي يريد تحقيقها.

بعد الحرب: أين ستكون أمريكا؟

الحروب الكبرى لا تنتهي عندما تتوقف الصواريخ فقط. آثارها تبدأ أحيانًا بعد توقفها.

والسؤال الأهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة لن يكون حجم قوتها العسكرية بعد الحرب؛ فهذا لن يتغير بين ليلة وضحاها. السؤال سيكون مقدار قدرتها على استخدام هذه القوة لإنتاج النتائج السياسية التي تريدها.

أمريكا ستبقى قوة عظمى، وسيبقى الدولار عنصرًا أساسيًا في النظام المالي العالمي، وستظل التكنولوجيا والاقتصاد والتحالفات تمنحها نفوذًا واسعًا.

لكنها قد لا تكون أمريكا التي عرفها العالم خلال العقود الماضية.

فالمشكلة الأمريكية أعمق من شخص ترامب، وأبعد من نتيجة هذه الحرب وحدها. إنها تتصل بالداخل الأمريكي نفسه: الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والصراع الحاد حول اتجاه الدولة، والتغير المستمر في أولويات السياسة الخارجية، إلى جانب ارتفاع كلفة الالتزامات الدولية.

وهذه العوامل لا تعني انهيار الولايات المتحدة، لكنها تؤثر في قدرتها على إنتاج استراتيجية طويلة المدى ومستقرة.

وفي المقابل، تعمل الصين على بناء نموذج قوة مختلف، يقوم على الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والتجارة وسلاسل الإمداد، فيما تحافظ روسيا على أدواتها العسكرية والجيوسياسية.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون انتقالًا مباشرًا من الهيمنة الأمريكية إلى هيمنة صينية، وإنما انتقالًا إلى عالم أكثر تعددًا في مراكز القوة.

من سيكون الأقوى؟

قد لا يكون الأقوى في المرحلة المقبلة هو الدولة التي تمتلك أكبر ترسانة عسكرية فقط، وإنما الدولة التي تستطيع الجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والاستقرار الداخلي والقوة العسكرية، وتملك في الوقت نفسه شبكة تحالفات قادرة على الاستمرار دون استنزاف مفرط.

ومن هذه الزاوية، تبدو الصين المنافس الأكثر جدية للولايات المتحدة على المدى الطويل، بينما ستبقى روسيا قوة عسكرية وجيوسياسية مؤثرة دون أن تكون بديلًا كاملًا للولايات المتحدة.

لكن المستقبل قد لا يمنح دولة واحدة موقع المركز المطلق.

الأرجح أننا نتجه إلى نظام تتوزع فيه القوة بين عدة مراكز، وتصبح فيه قدرة الدول على تعطيل حسابات بعضها بعضًا جزءًا من ميزان القوة نفسه.

وهنا تعود أهمية هرمز والبحر الأحمر.

فالممرات البحرية أثبتت أن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى قوة، وأن الطاقة يمكن أن تصبح أداة سياسية، وأن الأسواق يمكن أن تدخل الحرب دون أن تطلق رصاصة، وأن خصمًا أقل قوة عسكريًا يستطيع أحيانًا أن يجعل الحرب أكثر كلفة من خلال الضغط على نقاط حساسة في النظام الاقتصادي العالمي.

وهذا ما يجعل هذه الحرب أكبر من مواجهة بين واشنطن وطهران.

بداية نهاية الهيمنة أم إعادة تشكيلها؟

على المستوى الشخصي، أرى أن هذه الحرب قد تكون إحدى اللحظات التي بدأت فيها نهاية الهيمنة الأمريكية بصورتها التقليدية.

ولا أقصد بذلك نهاية أمريكا أو سقوطها كقوة عظمى؛ فهذا استنتاج متسرع لا تؤيده موازين القوة الحالية.

المقصود هو شيء مختلف: أن قدرة واشنطن على إدارة العالم من مركز واحد، وفرض إيقاعها على بقية القوى، بدأت تواجه قيودًا أكبر من السابق.

فالقوة الأمريكية ستبقى، لكن احتكارها النسبي للقدرة على تحديد اتجاه النظام الدولي هو الذي يتآكل.

وهذا التآكل لا يحدث في لحظة واحدة، ولا تصنعه حرب واحدة، وإنما ينتج عن تراكم طويل: صعود الصين، عودة روسيا إلى المنافسة الجيوسياسية، استقلالية أكبر للقوى الإقليمية، تغير الاقتصاد العالمي، وتزايد قدرة الخصوم على مقاومة القوة العسكرية دون امتلاك قوة مماثلة.

ولهذا فإن «الضربة القاضية» في عنوان هذا المقال لا تعني ضربة عسكرية تسقط الولايات المتحدة، وإنما لحظة استراتيجية تبدأ فيها الحسابات الأمريكية بالعمل داخل عالم لم يعد يسمح لها بالتحكم في كل عناصر اللعبة بالطريقة نفسها.

الخلاصة

من هرمز إلى البحر الأحمر، كشفت الحرب أن العالم أصبح أكثر تعقيدًا من أن تفرض عليه قوة واحدة إيقاعها بسهولة.

أمريكا لم تسقط، ولن تختفي من قيادة النظام الدولي، لكنها دخلت مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا يكفي فيها التفوق العسكري وحده، ولا تستطيع فيها القوة الاقتصادية وحدها ضمان النفوذ، ولا يمكن فيها للحلفاء والخصوم أن يُداروا بالطريقة نفسها التي كانت ممكنة في مراحل سابقة.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد بنت نفوذها على قدرتها على التأثير في المال والطاقة والأمن والتحالفات، فإن التحدي المقبل سيكون قدرتها على المحافظة على هذا النفوذ في عالم أصبحت فيه الأطراف الأخرى أكثر قدرة على المقاومة والمناورة وخلق البدائل.

ومن هنا، فإن الحرب مع إيران قد تكون إحدى اللحظات التي كشفت حدود القوة الأمريكية، ليس لأنها أسقطت أمريكا، وإنما لأنها أظهرت أن التفوق العسكري لم يعد كافيًا وحده لصناعة الحسم السياسي.

لقد بدأ العالم ينتقل تدريجيًا من مرحلة كان فيها الإيقاع الأمريكي هو الإيقاع الأكثر تأثيرًا، إلى مرحلة تتعدد فيها الإيقاعات ومراكز القوة والمصالح.

وفي تقديري، هذه هي النقطة التي ينبغي التوقف عندها…

أمريكا ستبقى قوة ، لكن أمريكا التي ستخرج من هذه المرحلة لن تكون بالضرورة أمريكا التي دخلتها.

فالقوة باقية، لكن التفرد يتراجع_
والهيمنة لا تنتهي عندما تختفي القوة، وإنما تبدأ عندما يصبح العالم أكثر قدرة على مقاومة إرادة القوة نفسها.