الأحد - 13 سبتمبر 2026

متى يتحرر السياسيون من عقلية (المعارضة)؟!

منذ 46 دقيقة
الأحد - 13 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

 

 

 

قبل عام 2003، كانت هناك معارضة عراقية واسعة ومتعددة الإتجاهات والأهداف، قوى وشخصيات سياسية عراقية عملت لسنوات طويلة من أجل تغيير النظام السابق، وسعت إلى الحصول على الدعم الإقليمي والدولي، وعقدت المؤتمرات واللقاءات، وفتحت قنوات التواصل مع الولايات المتحدة وبريطانيا ودول المنطقة.

كانت تلك مرحلة لها ظروفها وأدواتها وطبيعتها السياسية. فالمعارضة بطبيعتها تبحث عن الحلفاء، وتواجه السلطة، وتنتقد النظام، وتحاول إضعافه أو تغييره، وتتحرك في فضاء الصراع من أجل الوصول إلى هدف سياسي محدد.

لكن ما حدث بعد عام 2003 كان يفترض أن يمثل إنتقالاً كبيراً في العقل السياسي العراقي، فبعد سقوط النظام، لم يعد المطلوب إسقاط سلطة، بل بناء دولة.

لم يعد المطلوب البحث عن حلفاء لإضعاف الخصم، بل البحث عن كفاءات قادرة على بناء المؤسسات، لم يعد المطلوب إدارة الصراع، بل إدارة المجتمع.

ولم يعد المطلوب الوصول إلى السلطة، بل معرفة ماذا سنفعل بالسلطة بعد الوصول إليها.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نجحت القوى السياسية العراقية في الإنتقال من عقلية المعارضة إلى عقلية الدولة؟

بعد أكثر من عقدين على التغيير، يبدو أن جزءاً مهماً من الأزمة العراقية لا يتعلق فقط بالفساد أو المحاصصة أو ضعف المؤسسات، بل بعقل سياسي لم يتحرر بصورة كاملة من ثقافة المعارضة.

ولا يعني ذلك بالطبع التعميم على جميع القوى أو الشخصيات السياسية العراقية، فهناك شخصيات حاولت وتُحاول تقديم مشاريع مختلفة، كما لا يمكن إختزال المشهد العراقي المعقد في فكرة واحدة، لكن المشكلة أن ثقافة الصراع ما زالت في كثير من الأحيان أقوى من ثقافة البناء.

فما زال السياسي يبحث عن خصمه أكثر مما يبحث عن مشروعه، وما زالت الكتلة تخشى نجاح الكتلة الأخرى أكثر مما تخشى فشل الدولة، وما زال النفوذ السياسي أحياناً أهم من المؤسسة، وما زال البقاء في السلطة يتقدم على السؤال الأهم: ماذا قدمنا للعراق؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن تصل المعارضة إلى السلطة، لكنها تبقى تفكر بعقلية المعارضة؛ لأن المعارض يستطيع أن ينتقد كل شيء، أما رجل الدولة فعليه أن يقدم الحلول.

المعارض يستطيع أن يحمّل الآخرين المسؤولية، أما رجل الدولة فعليه أن يتحمل المسؤولية.

المعارض يستطيع أن يرفض، أما رجل الدولة فعليه أن يقرر.

وهنا يكمن الفرق الكبير بين عقلية الوصول إلى السلطة وعقلية إدارة الدولة.

لقد تغير النظام السياسي في العراق، وتغير الدستور، وتغيرت المؤسسات، وتغيرت الوجوه والأحزاب والتحالفات، لكن السؤال يبقى: هل تغيرت الثقافة السياسية فعلاً؟

فتغيير النظام لا يعني بالضرورة تغيير العقل السياسي، وقد تتغير الأسماء، لكن تبقى الأساليب، وقد تتغير الشعارات، لكن تبقى العقلية ذاتها، وقد تتغير الحكومات، لكن تبقى الدولة أسيرة للصراعات ذاتها.

إن المواطن العراقي اليوم يعيش وسط أزمات متلاحقة؛ أزمة الدولار، الكهرباء، الخدمات، البطالة، الفساد، السلاح، الرواتب، الإزدحامات وغيرها من الملفات التي تتكرر بأشكال مختلفة.

وبالتأكيد، فإن كثيراً من هذه الأزمات حقيقي ومعقد، ولا يمكن إنكاره أو تبسيطه لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: هل تُدار الأزمات من أجل حلها، أم يجري أحياناً إستثمارها وإعادة تسويقها سياسياً؟

فعندما يعيش المواطن وسط أزمة مستمرة، يشعر وكأنه داخل كيس يهتز بإستمرار، فلا يعرف أين المشكلة الحقيقية، ومن المسؤول عنها، وأين يبدأ الحل؛ تظهر أزمة، ثم تختفي خلفها أزمة أخرى.

وينشغل الرأي العام بملف، ثم يُدفع إلى ملف جديد.
ويبقى المواطن في حالة بحث دائم عن الإستقرار، بينما تستمر القوى السياسية في صراعاتها وتحالفاتها وخلافاتها، وهنا يصبح السؤال الأخطر: هل نمتلك مشروع دولة، أم أننا ما زلنا ندير مرحلة إنتقالية لم تنته منذ عام 2003؟

إن العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من السياسيين الذين يجيدون الصراع فقط، العراق يحتاج إلى عقول تعرف كيف تبني.

يحتاج إلى خبراء في الإقتصاد، والتخطيط، والطاقة، والتعليم، والصناعة، والزراعة، والإدارة.

يحتاج إلى كفاءات لا يُسأل عنها أولاً: إلى أي حزب تنتمي؟ بل يُسأل: ماذا تستطيع أن تقدم للعراق؟

متى يصبح المنصب حقاً للكفاءة لا مكافأة للولاء؟
متى تصبح الوزارة مؤسسة دولة لا مساحة نفوذ؟
متى يتقدم الخبير على السياسي؟
ومتى ندرك أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم بعقلية الغنيمة؟
إن أحد أكبر التحديات أمام العراق هو تحرير مؤسسات الدولة من عقل المحاصصة، وتحرير القرار السياسي من هاجس الصراع الدائم، وتحرير الكفاءات من الإقصاء والتهميش.

فالدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا تُبنى بإدارة الأزمات ولا تُبنى بإبقاء المجتمع منشغلاً كل يوم بمشكلة جديدة.

الدولة تُبنى بالتخطيط والإستراتيجية والإستقرار وإستثمار العقول.

والدولة الحقيقية لا تخاف من الكفاءة، لأنها تعرف أن نجاح الكفاءة هو نجاح للدولة.

أما السلطة التي تخشى العقول المستقلة، فإنها غالباً ما تفضل الأشخاص المضمونين على الأشخاص الأكفاء، والموالاة على الخبرة، والصمت على المبادرة.

وبعد أكثر من عشرين عاماً على التغيير، ربما أصبح السؤال الذي يجب أن يطرحه العراقيون على جميع القوى السياسية هو: متى تتحررون من عقل المعارضة؟

متى تنتقلون من الصراع على الدولة إلى العمل من أجل الدولة؟

متى تتوقفون عن التفكير في الإنتخابات المقبلة وتبدأون التفكير في العراق المقبل؟

متى يصبح المواطن هو محور السياسة، لا مجرد ناخب يظهر في موسم الإنتخابات ثم يختفي؟

ومتى يكون العراق مهيأً لأن يمنح الفرصة الحقيقية للكفاءات والعقول البنّاءة التي بقي كثير منها خارج دائرة القرار؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق ليس إختلاف السياسيين، فالإختلاف أمر طبيعي في كل الديمقراطيات، بل الأخطر هو أن يتحول الإختلاف إلى تعطيل، وأن يتحول التنافس إلى صراع، وأن تتحول الدولة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

لقد آن الأوان بعد أكثر من عقدين على التغيير أن ننتقل إلى مرحلة جديدة، مرحلة لا تسأل: من كان معارضاً؟ ومن كان مع هذا الطرف أو ذاك؟ ومن يملك النفوذ الأكبر؟

بل تسأل: من يستطيع أن يبني؟

العراق يمتلك المال والثروات والموقع والطاقات البشرية والعقول والكفاءات، لكن السؤال الذي بقي معلقاً طوال هذه السنوات هو: هل نمتلك العقل السياسي الذي يعرف كيف يحول كل ذلك إلى دولة؟

ربما كانت المشكلة طوال السنوات الماضية أننا نجحنا في تغيير السلطة، لكننا لم ننجح بالقدر الكافي في تغيير عقل السلطة.

ولهذا يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: متى يتحرر السياسيون من عقل المعارضة… ومتى يبدأ بناء الدولة؟

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع