باب المندب… التهديد بدل الحسم..!
د . طالب الشوكة ||

هل كانت الولايات المتحدة على علم بما يدور في غرب اليمن من معارك طاحنة بين أنصار الله الحوثيين والقوات المدعومة سعودياً..؟ وهل كانت تدرك أن تطورات المعارك في الساحل الغربي يمكن أن تمنح أنصار الله موقعاً متقدماً ومؤثراً بالقرب من مدخل البحر الأحمر، وتتيح لهم فرض تهديد ناري على مناطق مثل المخا والساحل الغربي، بما ينعكس على حركة الملاحة عبر باب المندب…؟
الجواب، من الناحية الاستخبارية، يبدو واضحاً.. واشنطن كانت تملك من وسائل الاستطلاع والمراقبة ما يجعلها على معرفة واسعة بما يجري في منطقة البحر الأحمر وباب المندب. فهذه المنطقة تخضع لمراقبة مستمرة عبر الأقمار الصناعية ومنظومات الاستطلاع فضلاً عن الدوريات البحرية ووسائل الرصد المختلفة. كما تحدثت تقارير عن الدور الاستخباري للسفينة الإيرانية بهشاد وعلاقتها بتقديم معلومات مرتبطة بحركة السفن في المنطقة.
لكن امتلاك المعلومات شيء واتخاذ قرار عسكري لتغيير الواقع على الأرض شيء آخر. واشنطن تجنبت الانزلاق إلى مواجهة شاملة ومفتوحة داخل اليمن، ولم تتجه إلى عملية برية واسعة واكتفت بالعمل من البحر والجو، إلى جانب التحالفات البحرية ومنها ما يسمى عملية حارس الازدهار والضربات الجوية واستخدام الطائرات المسيرة وغيرها من وسائل الردع. وهنا تظهر معادلة الحروب الحديثة بصورة أكثر وضوحاً.
فاعتراض مسيرات وصواريخ منخفضة التكلفة باستخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن يخلق معادلة اقتصادية وعسكرية معقدة ويضع الطرف المدافع أمام حرب استنزاف لا يمكن حسمها بسهولة بمجرد التفوق التكنولوجي. كما أن واشنطن كانت تدرك أن التوتر في باب المندب لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع ولا عن الصراع مع إيران وحرب غزة. ولذلك فضّلت الإدارة الأمريكية ضبط الإيقاع ومحاولة احتواء التهديد، بدلاً من فتح جبهة جديدة قد تتحول إلى حرب إقليمية واسعة تؤثر بصورة أكبر في أسواق الطاقة العالمية. الأمريكيون والإسرائيليون كانوا يدركون التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية التي يمكن أن تترتب على اضطراب الملاحة في البحر الأحمر.
وكان من الطبيعي أن تكون قناة السويس وميناء إيلات والموانئ الإقليمية ضمن الحسابات. وقد يتساءل البعض. إذا كانت إسرائيل تتضرر اقتصادياً من تراجع حركة ميناء إيلات فلماذا لا تعمل واشنطن وتل أبيب على إنهاء التهديد بشكل جذري…؟
الإجابة تكمن في حجم الخسارة مقارنة بحجم المصالح الأخرى. فقد تراجعت حركة ميناء إيلات بصورة حادة خلال فترة هجمات البحر الأحمر ووصلت في مراحل معينة إلى مستويات شبه متوقفة لكن أهمية الميناء بالنسبة إلى إجمالي التجارة البحرية الإسرائيلية تبقى محدودة مقارنة بمينائي حيفا وأشدود على البحر المتوسط. وبذلك يمكن أن تنظر تل أبيب وواشنطن إلى تعطّل إيلات باعتباره خسارة مؤلمة، لكنها قابلة للاحتواء مقارنة بالكلفة العسكرية والسياسية المترتبة على الدخول في حرب برية واسعة داخل اليمن.
أما مصر، فقد كانت الخسارة أكبر بكثير، بسبب التراجع الكبير في حركة السفن العابرة لقناة السويس وما نتج عنه من تأثيرات مباشرة في إيرادات القناة والاقتصاد المصري ومسارات التجارة العالمية .ومع ذلك فإن اضطراب قناة السويس لم يؤدِ إلى توقف التجارة العالمية. شركات الشحن الدولية أعادت توجيه جزء كبير من سفنها عبر طريق رأس الرجاء الصالح الأمر الذي زاد مسافة الرحلات وكلفة النقل وأطال مدة وصول البضائع.
ومن وجهة نظر المخطط الأمريكي قد تكون كلفة الشحن المرتفعة والاضطراب اللوجستي أقل خطراً من الدخول في حرب استنزاف مفتوحة داخل اليمن خصوصاً إذا كانت البدائل البحرية قادرة على إبقاء حركة التجارة مستمرة ولو بكلفة أكبر. وهنا تتضح الرؤية الأمريكية والإسرائيلية بصورة أكبر..
التعامل مع هجمات باب المندب باعتبارها جبهة مساندة مرتبطة بصراع إقليمي أكبر وليس باعتبارها حرباً منفصلة يمكن إنهاؤها بضربة واحدة.
فالتحرك الأمريكي لم يكن موجهاً، بالضرورة نحو حل جذري للمشكلة اليمنية بقدر ما كان يهدف إلى إدارة التهديد وتأمين الحد الأدنى من حرية الملاحة ومنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة. ومن هنا فإن عدم التدخل البري الأمريكي لا يمكن تفسيره فقط بغياب المعلومة أو عدم القدرة على معرفة ما يحدث وإنما يرتبط بمفاضلة عسكرية واقتصادية وسياسية. هل تتحمل واشنطن خسارة لوجستية واقتصادية محددة في البحر الأحمر أم تدخل حرباً برية مفتوحة لتغيير موازين القوى على الأرض..؟ تعرف واشنطن أن القضاء على نفوذ عسكري متجذر على الأرض في مناطق مثل الساحل الغربي اليمني لا يتم بالضربات الجوية وحدها، بل يحتاج إلى قوة برية واسعة وإلى وجود عسكري طويل الأمد وإلى طرف محلي قادر على إدارة الأرض بعد انتهاء المعارك. وهذا هو الدرس الذي خرجت به الولايات المتحدة من تجربتي العراق وأفغانستان. لذلك أصبح التدخل البري المباشر خياراً شديد الحساسية بالنسبة إلى صانع القرار الأمريكي خصوصاً عندما يتعلق الأمر بساحة معقدة مثل اليمن. وبدلاً من ذلك، تعتمد واشنطن على الدفاع البحري والضربات الجوية والتحالفات الدولية والدوريات البحرية بهدف اعتراض الهجمات الموجهة إلى السفن التجارية دون الدخول في حرب استنزاف تستهدف تغيير خريطة السيطرة على الأرض….
.يتبع الجزء الثاني




