الأحد - 13 سبتمبر 2026

يوميات معرض بغداد ودار السرد وجوه أحمد طابور ثنائية حراك لافت.. طارش .. أنتزاع البيئة وامتزاج الشخصية وحسن التشخيص..!

منذ 59 دقيقة
الأحد - 13 سبتمبر 2026

حسين الذكر ||

 

 

 

مرت ايام معرض بغداد الدولي للكتاب من 2الى 12 ايلول 2026 بدورته (27) اسرع من البرق على محبي الكتاب والكتابة ممن ما زالوا مصرين على مسك نار القلم وتثبيت شعار ( أقرأ) .. برغم ما لاقوه من حكوماتنا المتعاقبة وتجاهلهم من قبل اغلب المسؤولين وما نالهم من ( التعب والعتب والقدح والملامة ) .. في معرض بغداد للكتاب عشنا أيام جميلة ناصعة مشعة بالنور برغم الظلام السياسي الدامس المخيم حد التدني الحضاري الذي يعاني منه الشارع سيما في مناطقنا المتخمة سكانيا .
الاديب رياض داخل قائد مكتبة ( دار السرد ) مع بقية زملائه ابلى بلاء حسنا في دورة المعرض .. بعد ان نجح في تصيير جناحه شعلة حركة ونشاط دؤوب وتعارف ومحبة بين رواده ممن احتفينا بتوقيع كتبهم وهم بالعشرات كان ( رياض) لولب حركي ورختر ادبي لا يجيد فن ثقافات الطبع والكتابة والنقد الشفهي والطرفة السريعة حتى اللاسعة منها فحسب بل تميز بفهم فن العلاقات العام وانعكاسه ايجابيا على مجمل العملية الثقافية من اول حروفها حتى تراكمها السردي ومخرجها الطباعي .
( وجوه طارش) .. احد الكتب الكثيرة التي اهديت لي اثناء ايام المعرض وشكرت اصاحبها بامتنان وكانت كوكتيل وفسيفساء جميل من الرواية والادب والشعر والتاريخ والدين والعلم والاجتماع والفكر والفلسفة واخرها ما قدمته لي دار ( دلمون الجديد السورية من مجلد كامل العدد لاغلب مفكري العالم خلال القرنين الاخيرين ) .
(طارش تعني) وفقا للقاموس (طَرَش .. يَطرَش، طَرَشًا، فهو أطرَشُ ، أي ثقُل سمعُه ) فيما سمعتها تعني ناقل الخبر في بعض البلدان العربية وكذا تعني الضيف الذي ينقل شيء ما … وهي عندي راسخة بالوجدان لثلاث احببتها في حياتي كعناوين راسخة لا تنسى .. احدها تعرفت عليها بعمر صغير جدا حينما أقترن أبن عمنا طارش من اختي الكبرى ( رحمهما الله ) الذي تزوج مدقعا لكنه ظل مكافحا طوال حياته لم يعرف غير العمل والبيت والاخلاص لبيت الزوجية ولله .. فرزقهما الله على نياتهما وفارقا الحياة وهما بافضل حال من نعم الرب . والاخر طارش رجل كبير كان صديقا لوالدي ( رحمهما الله ) نادر ما يفترقان عرفتهما بالزي العربي المعتاد الدشداشة والعقال في السوق والبيت والمسجد … اذ لم اراهما حتى لقيا الله الا بهذه الامكان المحببة لهما ولم تذكرهما الناس الا بالخير . اما الثالث فهو صديق العسكرية ايام الثمنينات حالكت الظلام الطويل الحزين اذ عرفت طارش من جنوب العراق بالطيبة والتضحية والتعاون مع جميع افراد وحدته لم يغب ولا دقيقة ولم يتاخر عن واجب كلف به ولم اره الا مبتسما حتى في احلك الظروف الظلماء وما اكثرها … حتى افترقنا وتسرحنا وسمعت انه قد انتقل لوجه ربه .
احمد طابور الذي اهداني نسخة من مجموعته القصصية التي حملت عنوان ( وجوه طارش ) همس باذني ونحن نلتقط صورة تذكارية في دار السرد قائلا : ( اني اعرفك وسأتذكرك) .. لم اتذكره من قبل ولم اره الا هذه المرة .. كان يضع طاقية على راسه وربما شكله وزيه قد تغير بحكم الزمن والظروف .. وقد اخذت مجموعته فقرأت اول وجه لطارش وقد اعجبني حتى شجعني على مواصلة القراءة واكماله فجرا وذلك نادرا ما يحدث معي ان اعجبت بسرد ما واستمريت به .
وجوه طارش عبارة عن التقطات ومحطات عاشها الكاتب في الماضي الذي عانا فيه طويلا من ضنك العيش وظلامة التعتيم وكذا قلة الفرص وكتم حرية التعبير وتلاشي اضاءات المستقبل مما جعله وطارش يحلقان خارج الحدود يعبران مطبات ويخاطران حد المجازفة بكل شيء من اجل الحرية التي ارتسمت على محيا طارش ( او طابور ) اكثر من مرة وفقا لحيرة زمكانية متلازمة يبدو ان القدر يقود العراق فيها الى المجهول دائما ..
نجح طابور برسم وجوه طارش المتغير من البلادة الى العبقرية من الكسل الى الحراك والتضحية من الرضوخ حد الصمت الى الصراخ بمعنى طلب الحرية .. حاول وحاول واجتهد … لا ليغير حاله بل كل ما كان يتمنها يكمن بتحويل حال مجتمعه الذي ما زال يرزح تحت ذات الدائرة الضيقة وان تغير العنوان والاساليب والمسميات والشخوص على مسرح كبير يسمى الواقع العراقي .
في وجوه طارش نتلمس طابور الامنيات الضالة والاماني الضائعة حيث تفرقت على نحو قبل 2003 وبعد 2003 الذي كان العراقيون يبنون آمال عريضة فيه … لكن احلام طارش ضاعت سدى بعد ان تيقين ان التجار هم انفسهم والسوق ذات السوق والوجوه لم تتغير والبضاعة كاسدة متأكسدة من اول التغيير حتى نهاية التاريخ ..
نعم استخدم بعض المصطلحات والمفردات العامة ولكن وظفها بشكل يستحق الاشادة .. لغته لم تكن معمقة كما ان القصص لم تحتمل ولم تقرا على شكل مثلث معتدل او مقلوب السرد ابتعد عن نمطية صناعة الحبكة ولم يضع مقدمات كما انه ترك النهايات سائبة كما عليه واقع العراق .. مفضلا ترك التاويل للمتلقي كما ان الراوي ضاع بصور ووجوه شتى لكن طارش ظل عنوان يثير التسائل وربما يحمل بين طياته طرفة خفيفة الظل سعى احمد طابور على ان لا تفارق نصوصه برغم وجعها الصارخ بفم العراق .. !