الإعلام من نقل الحدث إلى صناعة الوعي..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

لم تعد المعركة الإعلامية في اليمن هامشًا من هوامش الصراع، إنما أصبحت جزءًا أصيلًا منه؛ لأن المعركة لا تدور فقط حول ما يحدث على الأرض، وإنما حول تفسيره، ومن يملك القدرة على تقديم روايته وإقناع الجمهور بها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية ما أكده قائد الثورة في أكثر من مناسبة بشأن دور الإعلام وفرسانه ؛لهذا أرى أن لا يكتفي بنقل الحدث أو الرد على وسائل الإعلام المعادية،
لكن عليه أن يرتقي إلى مهمة أكبر:
لشرح المعركة وصناعة الوعي بها، وقراءة اتجاهاتها ونتائجها وما وراء أحداثها.
وأولى خطوات التطوير هي الانتقال من إعلام الخبر إلى إعلام التحليل؛ فلا يكفي أن نعرف ماذا حدث، لكن ينبغي أن نفهم لماذا حدث، وما أهداف الأطراف المعنية، وما الرسائل والتداعيات المترتبة عليه.
كما أن البيانات العسكرية تحتاج إلى قراءة سياسية وإعلامية تضعها في سياقها، وتوضح اثرها على قواعد الاشتباك أو رسالة ردع أو ضغط سياسي.
وهنا تبرز أهمية أن يكون الإعلام استباقيًا لا مجرد إعلام رد فعل؛ فيتوقع الملفات التي ستثار، ويجهز المعلومات والوثائق والتحليلات قبل أن تتحول الرواية المقابلة إلى حقيقة راسخة في أذهان الجمهور.
كما أن مواجهة الشائعات والحرب النفسية تحتاج إلى سرعة ودقة، مع الالتزام بالمعلومة الموثقة والابتعاد عن المبالغة والتجريح.
ولا ينبغي حصر المعركة في بعدها العسكري، فهناك ملفات اقتصادية وإنسانية وسيادية لا تقل أهمية، مثل النفط والثروات الوطنية، الموانئ والمطارات،والمرتبات، والأسرى والمخفيين قسرًا، والسجون السرية في المناطق المحتلة.
تلك القضايا وغيرها تحتاج إلى معالجة إعلامية مستمرة بالأرقام والوثائق، حتى يدرك المواطن طبيعة المعركة واهتمام القيادة بها.
أما مخاطبة الخارج، فهي معركة أخرى تتطلب تقديم الموقف اليمني بلغة سياسية وقانونية ومهنية، والاستفادة من المنصات الرقمية الحديثة.
فالمعركة لم تعد على محطات الإذاعة وقنوات الستلايات وحدها، إنما على الهاتف أيضًا؛ عبر المحتوى القصير، والخرائط، والإنفوغرافيك، والمقاطع التفسيرية، والمقابلات المختصرة، وغيرها.
ولهذا فإن الإعلام الرسمي والشعبي، أمام مسؤولية مضاعفة، تتمثل في تقديم رسالة إعلامية واضحة ومتماسكة تستندإلى المعلومات والتحليل، وتخاطب الداخل والخارج في آن واحد.
كما ينبغي التعامل مع الجمهور باعتباره شريكًا في الوعي، من خلال الإجابة عن أسئلته، فمهمة الإعلام ليس امتلاك المعلومة، وإنما في القدرة على تنظيمها وتحليلها وتقديمها في الوقت المناسب وباللغة التي تصل إلى الجمهور المستهدف.
والأهم أن الإعلام الناجح لا يكتفي بنقل الرسالة، لكن أن يكون مصدرًا للمعلومات التي تساعد على صناعته؛ عبر رصد اتجاهات الرأي العام، ومتابعة الخطاب المقابل، وكشف نقاط قوته وضعفه، وتحليل التحولات السياسية والإعلامية والاقتصادية.
لذلك فإن المطلوب من الإعلام ليس أن يكون أكثر ضجيجًا، وإنما أن يكون أكثر وعيًا ومهنية وتأثيرًا؛ وأن ينتقل من إعلام ينتظر الحدث إلى إعلام يستشرفه، ومن إعلام ينقل المعلومة إلى إعلام يفسرها، ومن إعلام يرد على الرواية المقابلة إلى إعلام يمتلك روايته وأدلته وأدواته.
خاصةً وأننا ففي زمن تتصارع فيه الروايات قبل أن تتصارع المواقف، يصبح امتلاك الوعي جزءًا من امتلاك القدرة على الصمود وصناعة المستقبل.
ختامًا: مما سبق وغيره يتبين ان المهمة الأساسية للإعلام تتمثل في انتقاله من إعلام «الحدث» إلى إعلام «المعنى»؛
فلا يكتفي بأن يقول ماذا حدث، إنما يشرح لماذا حدث، وما الذي يعنيه، وإلى أين يمكن أن يقود، وماذا يعني ذلك لليمن والمنطقة.




