أقلام بلا ضمير: أزمة الوطنية المستعارة في المشهد اليمني..!
محمد علي اللوزي ||
محمد علي اللوزي
هناك فرق هائل بين كاتب يبيع كتابه، وكاتب يبيع قلمه، وبين انسان يممتهن الصحافة، وانسان يمتهن الموقف نفسه. فالكتابة مهنة شريفة حين تكون مستقلة، لكنها تفقد شرفها عندما يتحول الحرف الى سلعة، ويصبح الموقف قابلا للتسعير، ويغدو الوطن مجرد لافتة تستخدم لتغطية وظيفة سياسيةواعلامية.
وفي المشهد اليمني، لا يصعب على القارئ ان يلاحظ ضعود نوع من الاقلام التي لا تبدو كتاباتها مجرد اختلاف سياسي طبيعي، وانما تبدو في كثير من الاحيان جزءا من خطاب سياسي متكامل يخدم مصالح عواصم وقوى خارجية. اقلام تجد المنابر مفتوحة امامها، والمساحات متاخة لها، والفرص الاعلامية حاضرة، ثم لا تكاد كتاباتها تخرج عن الخطاب الذي تريده الجهات التي تمنحها تلك المنابر.
هنا يصبح السؤال مشروعا. هل هؤلاء يكتبون من قناعاتهم فعلا، ام ان المنبر الذي يفتح لهم ابوابه يحدد لهم مسبقا حدود ما يمكن ان يكتبوه؟ليس عيبا ان ينتقد الكاتب انضار الله، وليس عيبا ان يعارض المقاومة، وليس عيبا ان يختلف مع ايران او السعودية او الامارات . العيب ل ان يفقد الكاتب ميزانه، فيرى اخطاء طرف بعين مكبرة، ويتحول الى محام عن اخطاء الطرف الذي ينسجم معه سياسيا.ويمنحه مستحقات خيانة وتنازل عن شرف الكلمة وقديما قال الشاعر (وعين الرضاعن كل عيب كليلة
وعين الرضا بالسخط تبدي المساويء)
الكاتب الحر لا يعبد الاشخاص ولا العواصم.ولا يبيع ضميره لمن يمنحه راتبا او منبرا.ولا يصبح وطنيا عندما تدفع له جهة، ثم يصبح معارضا عندما تتغير الجهة التي تدفع.اما تحويل كل مقاومة للمشروع( الص٪» يو ايكي) الى مؤامرة ايرانية، وكل رفض للهيمنة السعودية الى تبعية قارسية، وكل موقف وطني مستقل الى طائفية، فهو خطاب استهلك نفسه حتى لم يعد قادرا على اقناع المواطن اليمني.لقد اصبح من السهل جدا اختزال القضية اليمنية في كلمات محفوظة( ايران، الفرس، الرافضة، الطائفية،
المشروع الايراني).لكن اليمن اكبر من هذه الاسطوانة.اليمن وطن له تاريخ وسيادة وشعب وذاكرة ومصالح، وله الحق في ان يقرر مستقبله بغيدا عن الوصاية الخارجية. ومن يريد مناقشة الازمة اليمنية بجدية عليه ان يناقش قضايا السيادة والقرار الوطني والثروات والموانئ والجر زوالحدود والتدخلات الخارجية، لا ان يهرب في كل مرة الى قاموس مذهبي جاهز.لان من يختزل اليمن في المذهب يريد ان يدفن سؤال الوطن.ومن يختزل المقاومة في ايران يريد ان يلغي حق اليمنيين في مقاومة الهيمنة.ومن يختزل كل معارض للسعودية في كونه تابعا لايران، يريد ببساطة ان يقول لليمني ليس من حقك ان تعارض الرياض الا اذا اذن لك حلفاؤها.ومنحتك قدرا من التكتيك للإيهام والمغالطةوهذه هي الوصاية بعينها.والغريب ان بعض الاقلام تمارس هذه الوصاية على الناس وهي تتحدث في الوقت ذاته عن الوطنية.
تريد ان تحدد لليمنيين من هو الوطني، ومن هو العميل، ومن هو الشريف، ومن هو الخائن. وهي حتى اخمص قدميها مأجورة يتصرف في تناولاتها الريال السعوديلكن من اعطاها هذا الحق؟هل الوطنية بطاقة تمنحها سفارة؟هل الوطنية وظيفة في مؤسسة اعلامية؟هل الاستقلال الفكري عقد عمل في مقالة اسبوعية او حيز في في التواصل الاجتماعي ؟ام ان الوطنية موقف اخلاقي لا يحتاج الى ختم من الرياض؟ ان اكثر ما يكشف سقوط بعض الخطابات هو تناقضها. فالقلم الذي يرفع راية الاستقلال ثم يبرر التدخل الخارجي، والقلم الذي يتحدث عن السيادة ثم يقبل الوصاية، والقلم الذي يهاجم التبعية بينما يتنفس من منابر مرتبطة بمصالح خارجية ، يقدم للقارئ نموذجا صارخا لما يمكن تسميته ازمة الوطنيةالمستعارة.
الوطنية لا تكون انتقائية.لا يمكن ان تكون العمالة جريمة عندما تأتي من جهة، وواقعية سياسية عندما تأتي من جهة اخرى .ولا يمكن ان يكون التدخل الخارجي احتلالا عندما يمارسه الخصم، ومساعدة اخوية عندما يمارسه الحليف.
المعيار يجب ان يكون واحدا.ومن هنا تأتي خطورة القلم المأجور فهو لا يكتفي بالكذب على الآخرين، بل يحاول اقناع نفسه اولا بأنه لايكذب.فيبرر لنفسه كل تنازل.ثم يسمي التنازل حكمة.ويسمي التبعية واقعية.ويسمي الانحياز مهنية.
ويسمي الصمت عن الحقيقة اتزانا.ثم يضع في نهاية مقاله كلمة (الوطن) ويعتقد ان ذلك يكفي لغسل المتسخ من الحرف والضمير الذي لا يدخله سوق المزايدة. وهنا علينا أن نقول: ان الوطن لا يغسل الخيانة، والكلمات لا تغير الحقائق.والقارئ اليمني ليس ساذجا.لقد عاش الحرب، ورأى التحالفات، وشاهد تغير المواقف، وقرأ تضريحات الامس ثم تابع تصريحات اليوم.
ولذلك بات قادرا على التمييز بين من يكتب عن قناعة ومن يكتب وفق اتجاه الريح.قد تستطيع بعض المؤسسات الاعلامية ان تمنح الكاتب مساحة، لكنها لا تستطيع ان تمنحه ضميرا.وقد تستطيع ان تصنع له حضورا، لكنها لا تستطيع ان تصنع له قيمة.وقد تستطيع ان تدفعه الىالواجهة، لكنها لا تستطيع ان تمنحه احترام الناس.
فالاحترام لا يشترى.والنزاهة لا تستورد.والضمير لا يمنح في ظرف مالي.والكاتب الذي يفقد استقلاله قد يربح المنبر، لكنه يخسر نفسه.
اما الكاتب الحر فقد يخسر المنبر، لكنه يحتفظ بكرامته.قد يجوع.قد يحاصر.قد تغلق امامه الصحف والمواقع.قد لا يخد من يدفع له.لكنه يظل قادرا على النظر في وجه نفسه دون خجل.وهذا وحده ثمن لا يستطيع اصحاب المال شراءه.ان الكتابة فعل مقاومة في حد ذاتها عندما تكون حرة. مقاومة للكذب مقاومةللتدجين، مقاومة لاحتكار الحقيقة، مقاومة لمحاولة تحويل الشعوب الى قطع شطرنج في يد القوى الاقليمية.والقلم الحر لا يقبل ان يكون نسخة من بيان سياسي، ولا ان يتحول الى مكبر صوت لعاصمة اجنبية، ولا ان ينتظر التعليمات حتى يعرف اين يقف.انه يقف حيث يضعه ضميره.
وقد يخطئ، لكنه يخطئ بحرية.وقد يختلف، لكنه يختلف بشرؤف.وقد يعارض، لكنه لا يبيع معارضته.وقد يؤيد، لكنه لا يتحول الى عبد لمن يؤيده.اما الذين جعلوا من الكتابة سلما للمال والنفوذ، فسيظلون مهما ارتفعت اصواتهم يعانون مشكلة واحدة لا تحلها كثرة المقالات
ان القارئ يستطيع ان يقرأ بين السطور.يستطيع ان يرى من اين جاء الخطاب، والى اين يتجه، ومن يخدم، ومن يستهدف.ولذلك لا تنزعجوا من القلم المستقل، ولا تحاولوا اسكاته بتهمة العمالة، ولا تشوهوا كل صوت يرفض خطابكم.اتركوا الناس تقرأ وتقارن وتحكم.فالمعركة الحقيقية ليست بين قلم وقلم، وانما بين فكرة وفكرة، وبين حقيقة ودعاية، وبين وطن يريد ان يمتلك قراره، ومشاريع تريد ان تمتلك قراره نيابة عنه وعاصمة لاتمنحه الجنسية لكنها نستأجره كاتب هزيل.وفي هذه المعركة، لا قيمة لقلم يلمع في المنابر لكنه صدئ في الداخل.ولا قيمة لكاتب يكثر من الحديث عن الشرف وهو يساوم على موقفه.ولا قيمة لوطنية ترفع رايتها بيد، وتتنازل عن القرار الوطني باليد الاخرى.سسيبقى القلم الحر اكرم من كل منبر، وستبقى كلمة الحق اثقل من كل مال، وسيبقى الوطن اكبر من كل ممول، وستظل الكرامة ارفع من كل وظيفة.فمن اختار ان يبيع قلمه، فليبع ما يشاء.اما الوطن فلايباع.والحقيقة لا تؤجر.والضمير لا يدخل سوق المزايدة. وسلام على شرفاء الكلمة بصدقهم ونزاهة ضميرهم ولا نامت اعين العملاء.




