قراءة في مضامين استراتيجية صنعاء المتكاملة…!
فتحي الذاري ||

قراءة في مضامين استراتيجية صنعاء المتكاملة. مزيج من القوة والدبلوماسية في مواجهة الأوضاع المتفاقمة
الحرب.. الحصار.. أو السلام.. ومعادلة الحصار بالحصار السعودية واليمن الأبعاد والمالآت
بعد عشر سنوات من الحرب والحصار، لم يعد من الممكن الحديث عن اليمن بوصفه ساحة صراع محلية مغلقة. فما يجري اليوم هو إعادة كتابة لقواعد الاشتباك الإقليمي بأكمله. في قلب هذا التحول، برزت
استراتيجية صنعاء المتكاملة كرؤية عملية ترفض خيارات الماضي لا استسلام ينهي السيادة، ولا حرب بلا سقف سياسي.
جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على مزج متعمد بين القوة الرادعة والدبلوماسية الضاغطة،
وتختصر المشهد كله في معادلة واحدة
الحصار بالحصار
معادلة وضعت الأطراف أمام حقيقة لا يمكن تجاوزهاخياران لا ثالث لهما.. إما الحرب والحصار، أو السلام الشامل.
سياق ولادة الاستراتيجية
ولدت الاستراتيجية من رحم أزمتين متزامنتين
أزمة إنسانيةحصار بري وبحري وجوي على الموانئ والمطارات، وتقييد للواردات، وانهيار للخدمات.
أزمة تفاوضيةجمود في المسار السياسي، ومحاولات لفرض حلول جزئية تفصل الجانب الإنساني عن الجانب السياسي والعسكري.
أمام هذا الواقع، كان لا بد من نقل كلفة الأزمة من الداخل إلى الخارج. ومن هنا جاء التحول من إدارة الحصار إلى معادلته.
الركيزتان – القوة والدبلوماسية
الركيزة الأولى
القوة – أدوات الردع ورفع الكلفة
الهدف ليس الحرب من أجل الحرب، بل رفع كلفة استمرار الحصار لدرجة تجعله خياراً غير قابل للاستمرار.
البعد العسكري
تطوير القدرات الصاروخية والجوية المسيرة استخدمت لاستهداف منشآت نفطية ومطارات وموانئ. الرسالة كانت واضحةلا أمن لأحد دون أمن الجميع.
الهدف هو كسر وهم العمق الآمن.
السيطرة البحرية والعمليات في البحر الأحمرنقلت المعركة من المحلي إلى الدولي. بربطها بملفي اليمن وغزة، تحول الملف اليمني إلى ورقة ضغط على التجارة العالمية وأمن الطاقة.
العمليات البرية والحدودية لفرض وقائع ميدانية جديدة تمنح أوراق تفاوض إضافية وتثبت أن أي حل يجب أن يبدأ من الميدان.
البعد الاقتصادي
تطبيق حرفي لـ الحصار بالحصار عبر استهداف شرايين الاقتصاد المقابل تعطيل الملاحة، الضغط على الشركات، واستهداف المنشآت الحيوية. الهدف هو نقل تبعات الحصارمن جيب المواطن اليمني إلى ميزانيات ومشاريع الطرف الآخر.
الركيزة الثانية الدبلوماسية التفاوض من موقع قوة
القوة وحدها تصنع ضجيجاً، والدبلوماسية وحدها تصنع تنازلات. لذلك جاء المزج.
ربط الملفات ربط رفع الحصار عن الموانئ والمطارات وصرف المرتبات بوقف العمليات العسكرية.
هذا أنهى سياسة الهدنة مقابل لا شيءوفرض منطق الحزمة الشاملة.
الوساطات كأداة ضغط التعامل مع الوساطة العمانية والأممية كقناة لكشف المراوغة، مع الإبقاء على خيار التصعيد حاضراً على الطاولة.
الخطاب السياسي طرح مبادرات وقف إطلاق نار مشروطة برفع الحصار، لوضع الكرة في ملعب الطرف الآخر أمام المجتمع الدولي.
معادلة الحصار بالحصار.. المنطق والهدف
تقوم المعادلة على قاعدتين الرد بالمثل وتوازن الردع.
طالما استمر إغلاق ميناء الحديدة ومطار صنعاء واحتجاز السفن، فستمر أدوات الضغط المقابلة وتتصاعد.
الهدف الاستراتيجي كسر الجمود المريح ودفع الطرف الآخر إلى الزاوية، حيث لا يبقى أمامه إلا خياران.
خياران لا ثالث لهما
اختزلت الاستراتيجية كل الحلول في مفترق طرق واحد
الخيار الأول السلام الشامل
المضمون رفع كامل للحصار عن الموانئ والمطارات، دخول السلع والمشتقات دون قيود، صرف المرتبات من الإيرادات، ثم الدخول في عملية سياسية شاملة.
المقابل وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية والبحرية.
المنطق فك الاشتباك وتخفيف معاناة 30 مليون يمني وحماية المصالح الإقليمية. خيار الربح للجميع.
الخيار الثاني التصعيد المفتوح
المضمون استمرار الحصار يقابله توسيع معادلة الحصار بالحصار. مزيد من الضغط الاقتصادي والعسكري والبحري.
المنطق يقول إثبات أن سياسة الحصار أحادي الجانب مكلفة وغير قابلة للاستمرار.
لماذا لا ثالث؟
لأن الخيار الثالث هو استمرار الوضع الحالي حصار خانق على اليمن في مقابل استقرار نسبي في الخارج. وهذا ما ترفضه الاستراتيجية.
القوة والتحديات
نقاط القوة
الواقعية تعترف أن التفاوض بدون أوراق ضغط هو استسلام.
نقل الأزمةنجحت في تدويل الملف وجعله يمس أمن الطاقة والملاحة العدو السعودي
المرونةالجمع بين التصعيد والتهدئة حسب تطور المفاوضات.
وضوح السقف اختصار كل التعقيدات في خيارين يمنع المماطلة.
التحديات
الكلفة الإنسانية استمرار التصعيد يزيد معاناة المدنيين في كل الأطراف.
التعقيد الإقليمي ربط الملف اليمني بغزة يجعله رهينة لتفاهمات إقليمية أوسع.
الموقف الدولي ضغط دولي باتجاه التهدئة دون التعامل مع الخيارين بميزان واحد.
الأبعاد والمالآت على السعودية واليمن
على اليمن الاستراتيجية وضعت إنهاء الحصار كمدخل لأي حل. نقلت الملف من خانة الأزمة الإنسانية إلى خانة الصراع السيادي وهو مطلب شعبي قانوني .
على السعوديةواجهت معادلة جديدة ترفع كلفة استمرار الحرب، وتجبرها على الاختيار بين استنزاف طويل أو تسوية تحفظ المصالح.
على الإقليم أثبتت أن أمن البحر الأحمر وأمن الطاقة لم يعد بمعزل عن الوضع في اليمن.
في المحصلة،استراتيجية صنعاء المتكاملة هي محاولة لإنهاء زمن الحرب الرخيصة. تقوم على مبدألا فك للحصار إلا برفع الحصار.
معادلة الحصار بالحصار هي أداتها. وقد حسمت المشهد
إما سلام شامل يرفع المعاناة عن الجميع،
أو تصعيد شامل يدفع ثمنه الجميع.
وبين الخيارين، لم يعد هناك مكان للحلول الناقصة أو الهدن المؤقتة. الكرة الآن في الملعب الآخرمحمد بن سلمان .




