الجمعة - 28 اغسطس 2026

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿سورة البقرة: 45﴾..!

منذ ساعتين
الجمعة - 28 اغسطس 2026

 السيد بلال وهبي ||

 

 

 (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿سورة البقرة: 45﴾

تعلمنا الآية الكريمة كيف يواجه المؤمن أعباء الحياة وأزماتها ومصائبها، إذ لا يمكن أن تخلو الحياة من الأعباء التي تثقل كاهل الإنسان، والأزمات التي تتوارد عليه، والمصائب التي تصيبه بين الحين والآخر، أما طريق الإيمان فليس طريقًا مفروشًا بالراحة، والالتزام بالحق يضع الإنسان في مواجهة أهواء نفسه وضغوط الواقع وإغراءات الحياة ومكائد الآخرين. ولذلك لا يكتفي القرآن بأن يأمر المؤمنين بالطاعة والاستقامة، بل يعلّمهم من أين يستمدون القدرة على الاستمرار والثبات، فيقول تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.

فالآية الكريمة تقدم الصبر والصلاة بوصفهما وسيلتين يستعين بهما المؤمن على مواجهة أعباء الحياة وتكاليف الإيمان. فتقول لهم: إذا واجهتكم مشقة، أو هاجت فيكم الشهوات، أو ضاقت بكم السبل، أو اشتدت عليكم الضغوط، فلا تبحثوا عن القوة في أنفسكم وحدها، ولا تستسلموا للضعف، بل واجهوها بالصبر، واستمدوا العون على مواجهتها بالصلاة التي تربطكم بمصدر القوة المطلقة، بالله تعالى.

أما الصبر في المفهوم القرآني فلا يعني احتمال الألم والسكوت عليه، وليس هو حالة سلبية ينتظر فيها الإنسان أن تنتهي المحنة. بل هو تعبير عن قوة الإرادة التي تمنع الإنسان من الانهيار أمام الضغوط، وتجعله قادرًا على مواصلة الطريق رغم الألم والخوف والإغراء. فالإنسان قد يعرف الحق، فيحتاج إلى الصبر لكي يلتزم به. وقد يعرف الباطل، فيحتاج إلى الصبر لكي يقاومه. وقد يريد الخير، فيحتاج إلى الصبر لكي يتحمل تكاليف الوصول إليه.

فكم من إنسان يعرف أن الشهوة ستدمره، لكنه لا يستطيع مقاومتها؟ وكم من إنسان يعرف الحق، ولكنه يتراجع عنه حين يكتشف أن له ثمناً، وأن هذا الثمن قد يكون موقفاً أو تضحيةً أو خسارةً؟ وكم من إنسان يؤمن بمبدأ عظيم، ثم يتخلى عنه أمام المال أو السلطة أو الخوف أو ضغط المجتمع؟

ولهذا فإن الصبر ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو من أهم الشروط التي تجعل الإيمان قادرًا على الصمود في الواقع. فالإنسان الذي لا يصبر قد يمتلك أجمل المبادئ، لكنه يعجز عن حملها حين تصبح لها كلفة.

وإذا كان الصبر يمثل القوة المعنوية النفسية التي تمنع الإنسان من السقوط، فإن الصلاة تمثل صلة الإنسان بمصدر القوة الذي يتجاوز قدرته المحدودة. فالإنسان ضعيف مهما بلغت قوته. هناك أشياء يستطيع أن يفعلها، وأشياء يعجز عن فعلها، وهناك أحداث تتجاوز حساباته، وأزمات لا تكفي فيها قدرته الذاتية. ولذلك فإن الإنسان يحتاج إلى أن يتصل بقدرة لا تنفد، وإلى أن يستمد من الله العون حين تنفد طاقته.

ومما لا شك فيه أن الصلاة عودةٌ إلى الله، يستمد منها الإنسان القدرة على مواجهة الواقع بقوة أكبر. ولهذا كان من هدي رسول الله (ص) أنه إذا هاله أمر أو نزلت به شدة فزع إلى الصلاة. وهكذا كان شأن الإمام أمير المؤمنين (ع)، فالصلاة في هذه الرؤية محطة يعيد فيها الإنسان بناء نفسه، ويستعيد توازنه، ويستمد العون من الله.

حين يقف الإنسان للصلاة، فإنه يضع مشكلته المحدودة أمام القدرة غير المحدودة، ويضع خوفه أمام من بيده الأمن، وضعفه أمام القوي، وحيرته أمام العليم، وفقره أمام الغني. ومن هنا فإن الصلاة تمنحه الطمأنينة، والأمان، والقوة، والثبات. وتعيد ترتيب أحجام الأمور في وعيه، فما كان قبل الصلاة يبدو له جبلًا لا يمكن تجاوزه، قد يكتشف بعد الصلاة أنه عقبة يمكن مواجهتها. وما كان يراه نهاية العالم يراه في ضوء علاقته بالله مجرد مرحلة من مراحل الطريق.

ولهذا جمع القرآن بين الصبر والصلاة، لأن الإنسان يحتاج إلى قوة نفسية روحية وإلى مدد إلهي. الصبر يبني إرادته، والصلاة تغذي روحه. الصبر يمنعه من الانكسار، والصلاة تمنعه من اليأس والإحباط والجفاف الروحي والمعنوي. الصبر يجعله ثابتًا أمام الأزمات، والصلاة تصل قلبه بالله.

وبهذا تكون العلاقة بين الصبر والصلاة تكاملية، بحيث يصبر الإنسان بالله، ويستعين بالله، ثم يتحرك في الواقع بكل ما أوتي من قوة، فالتوكل لا يعني ترك الأسباب، والصلاة لا تعني الاستغناء عن العمل، والصبر لا يعني الاستسلام، وإنما يعني ذلك كله أن يتحرك الإنسان في عالم الأسباب، وهو مستند إلى مسبب الأسباب

تجدر الإشارة إلى أن الله تعالى قال في الآية: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل الصلاة عبء ثقيل؟

نعم، قد تكون ثقيلة من جهة التكليف على الإنسان الذي لا يريد أن يخرج من أسر نفسه وشهواته وعاداته، أما القلب الذي عرف الله وخشع له، فالصلاة عنده ليست ضريبةً يؤديها للتخلص منها، وإنما هي حاجة روحية، فالخشوع هو الذي يحوّل العبادة من عبء إلى راحة، ومن واجب ثقيل إلى حاجة محبوبة.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 28/8/2026 الساعة (04:59)