النظرية الحزبية: من النخبة العقائدية إلى شبكة النفوذ..!
عبد الجبار الموسوي ||

لم يعد الحزب، في كثير من التجارب السياسية المعاصرة، يبحث بالضرورة عن الإنسان الأكثر إيماناً بفكرته، بقدر ما يبحث عن الإنسان الأكثر قدرة على خدمته في معركة السلطة والانتخابات.
فالانتخابات تحتاج إلى أصوات، والأصوات تحتاج إلى جمهور وتنظيم وإعلام وتمويل. ومن هنا تتغير معايير القيمة داخل الحزب.
يصبح صاحب النفوذ الاجتماعي مهماً لأنه يستطيع التأثير في مجموعة من الناخبين، ويصبح صاحب رأس المال مهماً لأنه قادر على تمويل النشاط السياسي والإعلامي والانتخابي، وتصبح الشركات ورجال الأعمال جزءاً من البيئة المحيطة بالحزب بسبب قدرتهم على توفير الموارد اللازمة لاستمراره.
كما تزداد أهمية المسؤولين التنفيذيين من وزراء ووكلاء ومديرين وأصحاب مواقع مؤثرة، ليس بسبب مواقعهم الإدارية وحدها، وإنما لما يمكن أن تمنحه هذه المواقع من شبكة علاقات واسعة مع القطاع الاقتصادي ورجال الأعمال والشركات.
وهنا تبدأ المشكلة الأخطر عندما تختلط الدولة بالحزب؛ إذ يمكن أن تتحول العلاقة بين السياسة ورأس المال إلى دائرة متبادلة للمصالح: يحتاج الحزب إلى التمويل والنفوذ، ويحتاج بعض أصحاب المصالح الاقتصادية إلى الوصول والتأثير. وإذا غابت الرقابة والقانون، تنشأ بيئة تسمح بتبادل المنافع واستغلال الوظيفة العامة والمال السياسي.
أما المثقف، فموقعه مختلف.
الحزب الانتخابي لا يحتاج بالضرورة إلى أعداد كبيرة من المثقفين المستقلين؛ فقد تكفيه مجموعة محدودة من الكتاب والإعلاميين والباحثين لإنتاج الخطاب السياسي والدفاع عنه وتسويقه، إلى جانب مؤسسات وقنوات ومنصات إعلامية ممولة من الموارد المتاحة للحزب وحلفائه.
وبذلك يصبح المثقف، في بعض النماذج الحزبية، منتجاً للخطاب أكثر منه شريكاً في صناعة القرار.
أما النخبة العقائدية الحقيقية فهي الأكثر إشكالاً بالنسبة إلى الحزب الذي تحول إلى مؤسسة انتخابية ومصلحية.
فالعقائدي لا يسأل دائماً: ماذا سأحصل؟
بل يسأل: لماذا فعل الحزب ذلك؟ وهل يتفق هذا القرار مع المبادئ التي تأسس عليها؟ وأين أصبحت الأهداف التي ضحينا من أجلها؟
ولهذا تكون النخب العقائدية عادة محدودة العدد، كما أن شروطها الأخلاقية والفكرية للانتماء والالتزام أكثر صرامة من شروط جمهور المصالح.
وهنا تظهر المفارقة:
الحزب في مرحلة التأسيس يحتاج إلى العقائديين لأنهم مستعدون للتضحية من أجله، ولكنه بعد الوصول إلى السلطة قد يبدأ بالاستغناء عنهم لأنه لم يعد يحتاج إلى التضحية بقدر حاجته إلى المال والنفوذ والأصوات.
فتتغير البنية الحزبية تدريجياً:
من حزب العقيدة
إلى حزب الجمهور،
ثم إلى حزب الانتخابات،
ثم قد ينتهي إلى شبكة مصالح إذا غابت المؤسسات والرقابة الداخلية.
وفي المرحلة الأخيرة يصبح ترتيب الأشخاص داخل المعادلة مختلفاً:
صاحب الأصوات مطلوب.
صاحب المال مطلوب.
صاحب النفوذ مطلوب.
صاحب المنصب والعلاقات مطلوب.
الإعلامي القادر على صناعة الصورة مطلوب.
أما صاحب الفكرة الذي لا يملك مالاً ولا جمهوراً ولا نفوذاً، فقد يصبح الأقل وزناً داخل الحزب الذي قام في الأصل على أفكار أشخاص يشبهونه.
وهذه واحدة من أكبر مفارقات العمل الحزبي:
حين يكون الحزب ضعيفاً يبحث عن أصحاب المبادئ، وحين يصبح قوياً قد يبحث عن أصحاب المصالح؛ وحين يصبح البقاء في السلطة غايته، تتحول العقيدة من معيار لاختيار الرجال إلى خطاب تستخدمه المؤسسة لحشد الجمهور.
وعندها لا يعود السؤال:
من الأكثر إيماناً بمبادئ الحزب..
بل يصبح:
من يملك المال؟ ومن يملك
الأصوات ومن يملك النفوذ؟ ومن يستطيع إبقاء الحزب في السلطة
وهنا تبدأ المسافة بالاتساع بين الحزب الذي وُلد من أجل الفكرة، والحزب الذي أصبحت الفكرة بالنسبة إليه وسيلة للاستمرار.




