القرآن الكريم في مرمى الاستهداف.. ما هي مسؤولية الأمة؟!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

بات الاعتداء على القرآن الكريم من قبل أعداء الله على رأس أولوياتهم في سياق الاستهداف الأوسع والمتكرر للإسلام ومقدساته، ومن هذا المنطلق جاء بيان السيد القائد عبد الملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- اليوم الخميس، ليضع هذه الإساءة في سياقها الأوسع، ويحمّل الأمة الإسلامية مسؤوليتها الدينية والأخلاقية في مواجهة هذا الاستهداف.
ولهذا أوضح بيان السيد القائد أن حقيقة مشكلة الأعداء مع القرآن الكريم تنطلق من مضمونه التحرري والأخلاقي والإنساني؛ فهو كتاب يدعو إلى العدل، ويحفظ كرامة الإنسان، ويحرره من عبودية الطغيان، ويقيم ميزان القسط في الحياة، لا من كونه كتابًا مقدسًا لدى المسلمين.
ويربط السيد القائد بين الإساءة إلى المصحف وبين محاولة إبعاد الإنسان عن الهداية التي يقدمها القرآن، باعتباره كتابًا يكشف الظلم والاستبداد ويحصّن المجتمعات من الخضوع للطغيان؛ فالقرآن مشروع حياة يعيد للإنسان إنسانيته، وللمجتمع توازنه، وللأمة وعيها ومسؤوليتها.
وإحراق المصحف والإساءة إليه لا يمكن أن ينالا من قداسة القرآن ومكانته، وإنما تكشفان عن مستوى الإساءة والعداء لدى من يرتكبها؛ فالكتاب الذي يؤمن المسلمون بأنه كلام الله لا تزيده حملات التشويه والإهانة إلا حضورًا في الوعي، بينما تكشف الإساءة عن أزمة أصحابها مع القيم التي يحملها القرآن من عدل ورحمة وكرامة ومواجهة للطغاة.
ويضع البيان الإساءة إلى القرآن ضمن مسار أوسع من الاستهداف، يشمل الحرب الفكرية والإعلامية والثقافية، إلى جانب الحروب العسكرية والسياسية المستهدفة للأمة.
فالاستهداف الحقيقي، كما يوضح البيان، هو ضرب علاقة المسلمين بكتابهم، وإبعادهم عن ثقافته وتعاليمه، وتحويل القرآن من مصدرٍ للوعي والهداية والمسؤولية إلى مجرد حضور شكلي في حياة الأمة.
ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الرد الأول والأعمق هو تعزيز الصلة بالقرآن: قراءةً وفهمًا وتدبرًا وتطبيقًا؛ لأن الأمة التي تعرف كتابها وتعي قيمه يصعب إخضاعها أو فصلها عن هويتها.
ومن أبرز مضامين البيان أنه يطرح مسؤولية عملية على الدول والشعوب الإسلامية، ويرى أن بإمكانها اتخاذ مواقف سياسية واقتصادية جادة، وأن تمارس ضغطًا مؤثرًا لمنع تكرار الاعتداء على المقدسات.
كما يدعو الشعوب إلى استخدام أدواتها الاقتصادية، ومنها المقاطعة، ضد الجهات التي ترى أنها ترعى أو تتسامح مع هذه الإساءات.
وهنا تبرز فكرة جوهرية مفادها أن قداسة القرآن يجب أن تتحول إلى موقف وسلوك ووعي وممارسة، لا أن تبقى شعارًا موسميًا، وإذا كان المعتدي يستخدم الاقتصاد والسياسة والإعلام والثقافة في معركته، فإن الدفاع عن المقدسات لا ينبغي أن يظل محصورًا في ردود الفعل الكلامية.
ويشير السيد القائد إلى أن الشعب اليمني جعل من علاقته بالقرآن جزءًا من هويته الإيمانية، وأن مواقفه تجاه الإساءة إلى المقدسات ظهرت في الفعاليات والمظاهرات والأنشطة الثقافية والتوعوية، وفي المقاطعة الاقتصادية، وفق مسار إيماني تحرري، ربط بين القرآن والهوية، وهذا يمثل إحدى أهم الرسائل في البيان.
لماذا؟ لأن المواجهة اليوم ليست مواجهة عسكرية فقط، وإنما هي معركة على الإنسان ووعيه وثقافته وانتمائه.
ويمنح البيان مناسبة المولد النبوي الشريف بُعدًا إضافيًا، داعيًا إلى أن تكون قضية الإساءة إلى القرآن وما يرتبط بها من مسؤوليات عملية حاضرة في الفعاليات والأنشطة والمظاهرات والوقفات، وهذا يحمل دلالة مهمة تشير إلى أن الاحتفاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو مناسبة لاستعادة منهجه، والعودة إلى القرآن الذي جاء به هاديًا للبشرية، وترجمة الإيمان به إلى وعي وسلوك ومسؤولية في الواقع العملي.
ومن خلال بيان السيد القائد يتبين أن الإساءة إلى القرآن قضية تتصل بالكرامة والقيم والعدل والحرية ومواجهة الأعداء، وأن الرد الأقوى عليها يتمثل في أن يصبح القرآن أكثر حضورًا في حياة الأمة؛ في ثقافتها، وتعليمها، وأخلاقها، ومواقفها، ووحدتها، واقتصادها، ووعيها، وواقعها الجهادي التحريري من العبودية للطواغيت، ما لم فلا عذر للأمة أمام الله تعالى، وسيبقى القرآن حجة بالغة عليها في الحياة الدنيا والآخرة.



