الخميس - 13 اغسطس 2026
منذ ساعتين
الخميس - 13 اغسطس 2026

القاضي الدكتور/ حسن حسين محمد الرصابي
نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية
بتاريخ: 1 ربيع الأول 1448هـ الموافق: 13 أغسطس 2026م

 

 

إنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُتْلَى، بَلْ هُوَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ وَمَحَجَّةٌ بَيْضَاءُ لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ. وَقَدْ دَعَا اللهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ إِلَى إِعْمَالِ الفِكْرِ وَالغَوْصِ فِي أَعْمَاقِ مَعَانِيهِ حِينَ قَالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82). وفي رحاب هذا التدبر المنير، نقف اليوم أمام ثلاث وقفات إيمانية تقود النفس إلى فهم حقيقة وجودها، ولطائف مقادير ربها، ولذة قربها.
أَوَّلًا: حُبُّ الإِيمَانِ.. عُنْوَانُ القَبُولِ وَأُنْسُ الأَرْوَاحِ
إنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يُوَفِّقَهُ لِطَاعَتِهِ، وَأَنْ يَذُوقَ فِي مِحْرَابِهَا حَلَاوَةً لَا تُدَانِيهَا حَلَاوَةٌ. لَيْسَ العَجَبُ أَنْ تُحِبَّ الصَّلَاحَ، وَلَكِنَّ العَجَبَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ رَغْبَتَكَ فِي الخَيْرِ وَسَعْيَكَ إِلَيْهِ إِنَّمَا هُمَا جَذْبٌ إِلهِيٌّ وَتَوْفِيقٌ رَبَّانِيٌّ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإيمٰنَ وَزَيَّنَهُ في قُلوبِكُم﴾ (الحجرات: 7).
وَعَلَى قَدْرِ قُوَّةِ هَذِهِ المَحَبَّةِ تَكُونُ كَثْرَةُ الطَّاعَةِ، فَإِذَا انْشَرَحَ الصَّدْرُ لِلْعِبَادَةِ وَتَيَسَّرَتْ أَسْبَابُهَا، فَذَاكَ عُنْوَانُ الرِّضَا وَالإِقْبَالِ. وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ أَشَدَّ أَلْوَانِ الحِرْمَانِ وَأَقْصَى دَرَجَاتِ المَقْتِ أَنْ يُحْرَمَ المَرْءُ لَذَّةَ العِبَادَةِ وَشَغَفَ الطَّاعَةِ، فَيَغْدُو السَّعْيُ فِي أَوْدِيَةِ الغَفْلَةِ جَفَافًا فِي الجَوَارِحِ وَشَقَاءً فِي الرِّوحِ.
ثَانِيًا: لَطَائِفُ المَقَادِيرِ.. الثِّقَةُ بِالتَّدْبِيرِ وَمَقَامُ الاِسْتِخَارَةِ
كَمْ يَمْضِي الإِنْسَانُ عُمُرَهُ فِي رَسْمِ الخُطَطِ وَمُطَارَدَةِ الأَوْهَامِ، ثُمَّ تَأْتِي المَقَادِيرُ الإِلَهِيَّةُ بِغَيْرِ مَا يَتَوَقَّعُ! وَهُنَا تَسْكُبُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ السَّكِينَةَ فِي القُلُوبِ: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: 21).
وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ التَّفْوِيضِ وَالثِّقَةِ بِتَدْبِيرِ اللهِ أَنْ يَهْرُعَ العَبْدُ – حِينَ تَحَارُ بِهِ الأَسْبَابُ – إِلَى صَلَاةِ الاِسْتِخَارَةِ، فَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، وَيَتْبَعَهُمَا بِالدُّعَاءِ المَأْثُورِ المَلِيءِ بِالإِعْلَانِ عَنِ العَجْزِ البَشَرِيِّ وَالاِلْتِجَاءِ إِلَى العِلْمِ الإِلَهِيِّ المُطْلَقِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ…).
فَمَا عَلَى العَبْدِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ أَمْرَهُ لِخَالِقِهِ وَيَمْضِيَ فِي طَرِيقِهِ صَادِقًا، دُونَ أَنْ يَسْتَبُدَّ بِهِ النَّدَمُ أَوْ يَقْتُلَهُ الأَسَفُ؛ فَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ، وَهُوَ عَلَّامُ الغُيُوبِ. إِنَّ مَا يُقَدِّرُهُ اللهُ لَكَ هُوَ الخَيْرُ المُطْلَقُ الَّذِي يَتَجَاوَزُ حُدُودَ عَقْلِكَ القَاصِرِ؛ قَدْ يُؤَخِّرُ عَنْكَ مَا تُحِبُّ رَحْمَةً بِكَ، وَقَدْ يُعْطِيكَ مَا لَمْ تَتَوَقَّعْهُ لُطْفًا مِنْهُ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تَسْتَرِيحَ فِي ظِلَالِ الثِّقَةِ، مُوقِنًا أَنَّ اخْتِيَارَ اللهِ لِعَبْدِهِ خَيْرٌ مِنَ اخْتِيَارِ العَبْدِ لِنَفْسِهِ.
ثَالِثًا: حَقِيقَةُ التَّوَجُّهِ.. الحَيَاةُ كُلُّهَا لِلَّهِ
حِينَ نَصِلُ إِلَى الغَايَةِ العُظْمَى مِنَ الخَلْقِ، نَجِدُ أَنْ اللهَ لَا يُرِيدُ مِنَّا مُجَرَّدَ رَكَعَاتٍ نُؤَدِّيهَا فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ ثُمَّ نَمْضِي فِي حُطَامِ الدُّنْيَا شَارِدِينَ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ تَكُونَ حَيَاتُنَا بِرُمَّتِهَا؛ جِهَادُنَا، وَسَعْيُنَا، وَنَشَاطُنَا، وَحَرَكَاتُنَا، وَسَكَنَاتُنَا.. خَالِصَةً لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ.
يَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).
هُنَا تَتَجَلَّى المَعَانِي المَخْبُوءَةُ لِلتَّوَجُّهِ الصَّادِقِ: أَنْ تَصْبَحَ أَنْفَاسُكَ، وَعَمَلُكَ، وَمَوْقِفُكَ، وَحَيَاتُكَ، بَلْ وَحَتَّى مَمَاتُكَ، بَاقَةَ وِرْدٍ مُهْدَاةً لِرَبِّ العَالَمِينَ. حِينَئِذٍ فَقَطْ تَتَحَوَّلُ العَادَاتُ إِلَى عِبَادَاتٍ، وَيَغْدُو المَقْصِدُ أَسْمَى، وَالقَلْبُ مِحْرَابًا خَالِصًا لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا الشَّوْقُ لِلرِّضَا الإِلَهِيِّ.
جمعة مباركة، وأوقاتكم عامرة بطاعة الله وتدبر آياته.