الجزء الثاني ـ ما بعد 30 أيلول: العراق أمام إختبار السلاح والإنسحاب الأميركي.. فأي «معركة» تنتظر القوات العراقية؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

تحدثت مصادر أمريكية مؤخراً بأن القوات المسلحة العراقية مع قوات البيشمركة ستخوض معركة مع الإرهابيين بدون تدخل القوات الأمريكية التي ستنسحب من العراق، عن أي «معركة» يتحدث الأميركيون؟ هنا أعتقد أن التصريح الأميركي الأخير يحتاج إلى قراءة دقيقة، الجانب الأميركي قال إن القوات العراقية، بما فيها البيشمركة وقوات أمن إقليم كردستان، ستتولى قيادة المعركة ضد «الإرهابيين» في العراق بعد إنتهاء المهمة الدولية، والسؤال المشروع هو:
من هم هؤلاء الإرهابيون؟ وهل هناك فعلاً معركة عسكرية جديدة تنتظر العراق؟
قد يكون الجواب الأقرب إلى الواقع بأن المقصود أساساً هو تنظيم داعش وخلاياه وبقاياه، وليس الفصائل العراقية التي يجري حالياً التفاوض معها بشأن السلاح، فالمهمة التي جاءت القوات الأميركية والتحالف من أجلها أصلاً كانت مواجهة تنظيم داعش بعد إجتياحه مساحات واسعة من العراق عام 2014 لكن هناك فرق كبير بين داعش عام 2014 وداعش عام 2026.
داعش لم يعد يمتلك المدن والأراضي التي كان يسيطر عليها، ولم يعد جيشاً تقليدياً قادراً على إحتلال محافظات، الخطر اليوم يتمثل أكثر في الخلايا، الكمائن، الإغتيالات، العبوات، الهجمات المحدودة، وإستغلال الثغرات الأمنية والجغرافية، لذلك فإن «المعركة» المقبلة، التي ذكرها الأمريكان إذا وقعت، لن تكون على الأرجح معركة تحرير مدن، وإنما معركة إستخبارية وأمنية طويلة الأمد ضد الإرهاب والخلايا النائمة.
هنا تستطيع القوات العراقية أن تتحمل العبأ الأكبر، خصوصاً إذا حافظت على مستوى جيد من التنسيق بين الجيش، جهاز مكافحة الإرهاب، الشرطة الإتحادية، الأجهزة الإستخبارية، والبيشمركة، لكن يبقى السؤال عن الحشد الشعبي والفصائل المنضوية داخل الحشد.
السؤال هنا: هل يستطيع العراق مواجهة داعش من دون الأميركيين؟ الجواب بالتأكيد نعم، يستطيع لكن السؤال الأدق هو: هل يستطيع العراق أن يفعل ذلك بالمستوى نفسه من الكفاءة التي كان يوفرها الدعم الأميركي؟ من خلال التغطية الجوية والمعلومات الإستخبارية،
هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيداً.
القوات العراقية اليوم أكثر خبرة بكثير مما كانت عليه عام 2014، كما أن جهاز مكافحة الإرهاب والجيش والأجهزة الأمنية إكتسبت خبرة كبيرة في مكافحة داعش، وعلينا أن نذكر الحشد الشعبي الذي إكتسب خبرات كبيرة في مرحلة مكافحة الإرهاب، لكن الولايات المتحدة كانت توفر قدرات نوعية، خصوصاً في الإستطلاع والمراقبة، جمع المعلومات الإستخبارية، الأقمار الصناعية، الطائرات المسيّرة، الدعم الجوي، الإتصالات، واللوجستيات.
لذلك فإن الإنسحاب الأميركي لا يعني أن العراق سيصبح عاجزاً عن مواجهة داعش، لكنه يعني أن على بغداد أن تثبت أن لديها القدرة المستقلة على إنتاج المعلومات الإستخبارية وإتخاذ القرار وتنفيذ العمليات دون الإعتماد على المظلة الأميركية؛ وهذا هو الإختبار الحقيقي.
وماذا عن الفصائل والسلاح؟ هنا تبدأ القضية الأكثر خطورة؛ فالحكومة حددت موعد 30 أيلول لإنهاء ملف السلاح خارج إطار الدولة، لكن الواقع السياسي لا يوحي بأن جميع الفصائل ستضع سلاحها ببساطة على طاولة الدولة في ذلك اليوم؛ فهناك فصائل أبدت إستعداداً للإندماج أو وضع السلاح تحت سيطرة الدولة، بينما ما زالت فصائل أخرى أكثر تشدداً ترفض تسليم سلاحها بالصيغة المطروحة، لهذا أتوقع أن 30 أيلول سيكون بداية مرحلة جديدة أكثر مما سيكون نهاية الملف.
قد نشهد قبل الموعد تفاهمات، وتسويات، وعمليات دمج، وإعادة هيكلة، وربما نقل جزء من الأسلحة والقدرات إلى مؤسسات الدولة، لكن من غير المرجح، في تقديري، أن تستيقظ بغداد في الأول من تشرين الأول لتجد أن كل السلاح قد إختفى من خارج المؤسسة العسكرية، فالمسألة ستحتاج إلى تدرج سياسي وقانوني وأمني.
ماذا سيحدث إذا بقي السلاح بعد 30 أيلول؟ هنا ستكون الحكومة أمام أصعب إختبار منذ تشكيلها؛ لأنها إذا أعلنت أن 30 أيلول «موعد نهائي»، ثم مرّ اليوم التالي وبقي السلاح كما هو، فإن السؤال سيكون: من يطبق القانون؟ وقد أكد إئتلاف إدارة الدولة أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد إنتهاء المُهلة سيتعامل معه وفق القوانين النافذة، بما فيها قانون مكافحة الإرهاب، لكن تطبيق القانون على فصيل قوي ليس مثل تطبيقه على مجموعة مسلحة صغيرة.
وهنا تظهر أهمية الحكمة السياسية، فالهدف ليس الدخول في حرب أهلية جديدة، وإنما الوصول إلى نتيجة واحدة: لا يوجد سلاح خارج سيطرة الدولة، وهذه النتيجة يمكن الوصول إليها بالمواجهة في الحالات الضرورية، ولكن يمكن الوصول إليها أيضاً عبر إعادة الهيكلة والدمج والضمانات القانونية والسياسية.
السيناريوهات الثلاثة بعد 30 أيلول
السيناريو الأول: التسوية الهادئة وهو السيناريو الأفضل وتوافق معظم الفصائل على وضع السلاح والقرار العسكري تحت سلطة الدولة، مع إعادة تنظيم أو دمج عناصرها ضمن المؤسسات الرسمية، وربما منح ضمانات سياسية وقانونية، في هذه الحالة يصبح إنسحاب الأميركيين فرصة لإعادة بناء مفهوم جديد للسيادة العراقية.
السيناريو الثاني: «لا تسليم ولا مواجهة»
وهو السيناريو الذي أراه الأكثر إحتمالاً في المدى القريب وقد لا تسلم بعض الفصائل سلاحها بالكامل، لكن في الوقت نفسه لا تدخل في مواجهة مباشرة مع الدولة، ويصبح الحل عبارة عن مفاوضات طويلة الأمد، وضغوط سياسية، وإعادة تنظيم تدريجي للسلاح والقرار، هذا السيناريو قد يكون غير مثالي، لكنه أفضل من الصِدام.
السيناريو الثالث: المواجهة
وهو السيناريو الأخطر؛ إذا أصرت الحكومة على التنفيذ الفوري، ورفضت فصائل قوية ذلك، فقد يحدث إحتكاك أمني محدود أو واسع؛ وهنا لن تكون المشكلة عراقية داخلية فقط، لأن أي مواجهة ستدخل فيها حسابات إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، ولهذا فإن أي خطأ في إدارة مرحلة ما بعد 30 أيلول يمكن أن يحول العراق مرة أخرى إلى ساحة صراع إقليمي.
بتقديري أن العراق لن يذهب مباشرة إلى حرب داخلية بعد 30 أيلول، والأرجح أننا سنشهد مرحلة تفاوضية جديدة تحت عنوان: السلاح مقابل الدولة، وستضغط بغداد بإتجاه حصر القرار العسكري، وستستخدم واشنطن ورقة الدعم السياسي والإقتصادي والأمني، بينما ستعمل القوى المرتبطة بإيران على ضمان ألا تتحول عملية حصر السلاح إلى تفكيك سياسي أو إستهداف لها.
أما إيران، فمصلحتها ليست بالضرورة أن تدخل الفصائل العراقية في مواجهة مفتوحة مع الدولة العراقية؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويضعف نفوذها، لذلك أتوقع أن يكون هناك بحث عن صيغة تحفظ ماء وجه الجميع: الفصائل لا تظهر وكأنها إستسلمت للأميركيين، والحكومة لا تظهر وكأنها تراجعت عن حصر السلاح، وواشنطن تحصل على ما تريده من عدم وجود جماعات مسلحة مستقلة تهدد قواتها أو مصالحها.
وأين سيكون داعش في كل هذه المعادلة؟ هذه نقطة مهمة جداً، داعش قد يحاول إستثمار الإنتقال الأمني فإذا إنشغلت بغداد بالصراع السياسي حول سلاح الفصائل، وإذا حدثت فجوات بين الجيش والبيشمركة، وإذا تراجعت عمليات الإستطلاع والمراقبة، فإن داعش سيحاول إستثمار الفراغ، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد 30 أيلول هو أن ينشغل العراق بالسلاح السياسي وينسى السلاح الإرهابي، المعركة مع داعش يجب أن تبقى منفصلة عن الخلاف السياسي حول الفصائل.
30 أيلول ليس مجرد تأريخ في التقويم العراقي؛ إنه إختبار للدولة العراقية، وفي هذا اليوم يفترض أن تكون القوات الأميركية قد أنهت مهمتها العسكرية وتستكمل مغادرتها، فيما يفترض أن تكون بغداد قد قطعت شوطاً حقيقياً في حصر السلاح بيد الدولة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ في الأول من تشرين الأول فإذا إستطاعت الدولة أن تقول: «الأمن عراقي، والسلاح عراقي، والقرار العسكري عراقي، والعلاقة مع واشنطن علاقة دولة بدولة، ومواجهة داعش مسؤولية عراقية» فإن العراق يكون قد دخل مرحلة جديدة بالفعل.
أما إذا إنسحب الأميركيون وبقي السلاح خارج سيطرة الدولة، وبقي القرار موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوى مسلحة، فإن المشكلة لن تكون قد إنتهت؛ بل ستكون قد إنتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً، ولهذا فإنني لا أرى أن السؤال الأهم هو: «هل سيغادر الأميركيون العراق؟»
فالجواب يبدو اليوم أقرب إلى نعم. والسؤال الأخطر هو: «من سيمسك بقرار العراق بعد رحيلهم؟» وهنا تحديداً ستبدأ معركة الدولة الحقيقية.
أما «الإرهابيون» الذين تحدث عنهم القادة الأميركيون، فقد يكون المقصود بهم أساساً داعش وخلاياه وبقاياه، لكن نجاح القوات العراقية والبيشمركة في هذه المهمة لن يقاس بعدد العمليات العسكرية فقط، وإنما بقدرة العراق على بناء منظومة أمنية موحدة لا تسمح لا لداعش ولا لأي قوة مسلحة أخرى بأن تستغل الفراغ أو الإنقسام، 30 أيلول قد يكون نهاية الوجود العسكري الأميركي المباشر، لكنه بالتأكيد لن يكون نهاية الصراع على شكل الدولة العراقية.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




