الخميس - 13 اغسطس 2026
منذ 56 دقيقة
الخميس - 13 اغسطس 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

حين نتأمل تفاصيل حياتنا اليومية في شوارع بغداد ومؤسساتها، ندرك تماماً معنى المفارقة التي نكتوي بنارها كل حين: لماذا يتغطرس الشخص الوضيع والأقل كفاءة، بينما يلوذ الحكيم وصاحب العلم بالتواضع والهدوء؟

إن هذه الغطرسة التي نواجهها في الدوائر الحكومية، وفي المعاملات اليومية، وفي السجالات العامة، ليست علامة قوة؛ بل هي “قناع” سميك يرتديه الشخص ليخفي وراءه هشاشة داخلية وفقراً معرفياً وأخلاقياً حاداً. في المقابل، لا يحتاج الإنسان الواثق من نفسه ومن قدراته الحقيقية إلى الصراخ أو الاستعلاء؛ لأن كفاءته ونقاءه الداخلي يشعان عفوية وطمأنينة تفرض احترامها على الجميع دون تكلّف.

تتجلى هذه الأزمة بوضوح عندما نرى موظفاً صغيراً أو مسؤولاً طفيلياً يتعامل بصلف وعجرفة مع المواطنين، متلفحاً بشعارات رنانة ومبادئ يتبجح بها علناً بينما يمارس عكسها تماماً خلف الأبواب المغلقة. هذه الشخصيات السطحية تعاني في الواقع من “ذات مزيفة” متضخمة بالوهم، يغذيها عقل مريض يرى الحياة بصورة مقلوبة ومخيفة. في المقابل، تظل ذاتهم الحقيقية المدفونة تشعرهم في ومضات خاطفة بمدى ضحالتهم وعجزهم، مما يدفعهم لتعويض هذا النقص بزيادة جرعة التكبر والاستعراض، مسببين ما يعرف علمياً بـ “التنافر المعرفي”، حيث يعيش الفرد صراعاً مستمراً وجحيماً داخلياً يخفيه بالاستقواء الزائف وتسول الإطراء بأقذر الطرق.

إن خطورة هذا الصنف من البشر تكمن في قدرتهم العالية على التخفي والتلون؛ فهم موجودون في كل مكان وحرفة، بين بعض الأطباء والمحامين والساسة، وحتى في الدوائر العائلية القريبة. يتعاملون بلغة الكذب القهري والمراوغة، ويتقنون ممارسة الدفاع المستميت وطرح أنفسهم كضحايا دائماً، مما يصيب الأشخاص المحيطين بهم بالحيرة والارتباك الحاد والإنهاك النفسي. التعايش مع هذه الشخصيات السامة يشبه تماماً المشي في حقل ألغام غير مرئية؛ إذ يمكن أن ينفجر هذا الكائن المزيف بوجهك لأتفه الأسباب بعد صمت طويل كان يطبخ فيه مصيدة بعقل بارد، ليثبت لنفسه المريضة سلطة أو قيمة متخيلة على حساب راحتك وكرامتك.

ويفسر لنا علماء الأعصاب وتشريح الدماغ هذا السلوك الشاذ بأنه ليس مجرد مرض نفسي عابر يمكن علاجه بالجلسات، بل هو اختلال بنيوي وعضوي شامل، ناتج في كثير من الأحيان عن غياب أو ضعف “المادة الرمادية” في المخ، وهي المركز المسؤول عن الضمير، والتعاطف البشري، والإحساس بآلام الآخرين. هؤلاء الأفراد محكومون ببناء شخصيتهم على عمود أعوج؛ يعجزون تماماً عن إقامة علاقات عفوية وبريئة، لأنهم يرون العالم من خلال مراياهم المهشمة.

وكما قال الرسام فان كوخ في رسائله متألماً: (لطالما دفعت بي حاجتي إلى الحنان، لالتماسه عند أشخاص كانوا يحاولون تدميري)، وهذا هو الفخ الذي يقع فيه الطيبون عندما تدفعهم الفطرة وحسن النية لطلب الرفقة أو التعامل بنقاء مع ذئاب بشرية خالية من الضمير الإنساني.

إن مواجهة هذا الانحطاط الأخلاقي والشخصي المستتر خلف الأقنعة لا تكمن في مجاراته أو محاولة إقناع العبقري المزيف باختلاله، بل تبدأ من بناء مجتمع قائم على العدالة الاجتماعية والسيادة الصارمة والحقيقية للقانون. عندما يعيش الإنسان في بيئة عادلة تضمن كرامته وتكافئ الكفاءة الحقيقية وتحاسب المفسد والمبتز، ينشأ شعور عام بالأمان النفسي يدفع الناس لتقديم أفضل ما لديهم من حسن تعامل واحترام متبادل.

العدالة هي المستشفى الحقيقي الذي يشفي المجتمعات؛ فحين تغيب بيئة الابتزاز والالتواء، تندثر الشخصيات السامة أو تتقزم، وتنبت بدلاً منها شخصيات انبساطية هادئة وطبيعية، تفعل ما تقوله وتقول ما تفكر به دون تناقضات، لتتحول العفوية والوضوح واللطف إلى الجمال الدائم والوحيد المعترف به في بناء الوطن.