الخميس - 13 اغسطس 2026
منذ 3 ساعات
الخميس - 13 اغسطس 2026

أحمد نعيم الطائي ||

 

حمد نعيم الطائي

 

 

نقترب من المدة التي حددتها حكومة الزيدي لتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة الاتحادية، المثير للجدل ، والذي بحسب ما أُعلن، يستهدف الفصائل الشيعية المقاومة دون غيرها من الميليشيات المنفلتة المحمية.

في استعراضٍ لمآلات هذا القرار وتداعياته المحتملة، ستجد حكومة الزيدي نفسها أمام تحديين متشابكين أولهما: يتعلق بالمبررات التي ستقدمها الفصائل المعنية للاحتفاظ بسلاحها، وما إذا كانت الحكومة قادرة على معالجة هذه المبررات ضمن إطار وطني وقانوني جامع، وثانيهما: يتمثل في الضغوط الأميركية المتصاعدة لإنهاء وجود الفصائل الشيعية ، وهي ضغوط لا تبدو محصورة الفصائل وحدها، بل تمتد إلى تشكيلات الحشد الشعبي المنضوية رسميًا في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، بدعوى ارتباطها بمصالح أو مشاريع تشكل، من وجهة النظر الأميركية، تهديدًا للمصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

إذا أردنا تفكيك مشروعية قرار “الزيدي” بحصر السلاح، نجد أن هذا القرار، الذي كان يفترض أن يكون اتحاديًا، لم يكتسب حتى الآن الشرعية الوطنية والمبررات القانونية الكافية لفرض سيادة الدولة وحصر السلاح في جميع الأراضي العراقية، الأمر الذي يدفع تلك الفصائل إلى التمسك بمبررات الاحتفاظ بسلاحها، وفي مقدمتها ، معيار السيادة الذي يجب أن يكون واحدًا، وتطبيقه غير مرتبط بهوية الفصيل أو الجهة دون غيرها.

ان حكومة ” الزيدي” تعلم ان هناك عدد من الميليشيات الأجنبية والتشكيلات المسلحة في اقليم كردستان التي لاتخضع للسلطة السيادية للدولة، وتتمتع باستقلالية القرار العسكري والأمني ، وبعضها يشكل خرقًا وانتهاكًا لسيادة البلاد ، وتهديداً لدول الجوار ، ولم يشملها القرار الحكومي، ومنها:

• مليشيات حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) ،الذي تشير تقديرات متداولة إلى أن أعداد عناصره تتجاوز 12 ألفًا، متوزعين على خمس قواعد ، ويحتلون اكثر من ٤٠ نقطة ، ويتمركز معظمهم في قضاء سنجار وأجزاء من محيطه، ويمارسون نفوذًا داخل مناطق تخضع لسيطرة إقليم كردستان، فيما تُتهم عناصره باستخدام الأراضي العراقية في أنشطة تستهدف الأمن والاستقرار في تركيا.

• المليشيات الكردية الإيرانية المعارضة : تتمركز تلك المليشيات في محافظات الإقليم الثلاث، والتي تتخذ من الأراضي العراقية منطلقًا لأنشطة تستهدف الأمن والاستقرار في إيران، ويقدر عددها بأكثر من ١٥ الف عنصر موزعين على قواعد متفرقة في أربيل وسليمانية وحلبجة ، وتتلقى تلك العناصر دعمًا خارجيًا لاسيما أميركياً.

• قوات البيشمركة التابعة للحزبين الكرديين الرئيسين: التي تضم بحسب بيانات وتقديرات مختلفة أعداد كبيرة من المقاتلين، وسط جدال وطني حول استمرار عدم خضوعها لاوامر وتوجيهات السلطة الاتحادية، رغم ارتباط تمويلها ودعمها بالموازنة العامة للدولة العراقية، فضلًا عن أشكال الدعم والتعاون الخارجي الذي تتلقاه ، وعدم امتثالها لاوامر الحكومة الاتحادية وتفردها بالقرارات والتحركات العسكرية.

• الصحوات أو ما يُعرف بأبناء العراق:وهي التشكيلات التي أسستها القوات الأميركية عام 2006 لمواجهة تنظيم القاعدة الارهابي، وكان قوامها أكثر من 100 ألف عنصر، ثم جرى دمج أعداد منهم في القوات الأمنية عام 2008، فيما بقيت تشكيلات وعناصر مسلحة مرتبطة بالبنية العشائرية في عدد من المحافظات والمناطق في الأنبار ونينوى وتكريت وحزام بغداد.

• العشائر الكردية والعربية السنية والشيعية :التي ما زالت تمتلك كميات كبيرة من الأسلحة المختلفة ، وتظهر قوة تسليح بعضها في النزاعات والمواجهات العشائرية التي تعجز القوات الأمنية الرسمية أحيانًا عن احتوائها بالوسائل التقليدية.

أمام هذه التضاريس المترامية، والمتخمة بمختلف والتشكيلات المسلحة وبأنواع الأسلحة والمعدات التي يشكل بعضها تحديًا حقيقيًا لأمن البلاد واستقرارها، فضلًا عن استخدام الأراضي العراقية في تهديد دول الجوار، وهي مخالفة لمبدأ عدم استخدام أراضي الدولة للإضرار بأمن الدول الأخرى بحسب القانون الدولي ، من هنا يبرز السؤال الأكثر جوهرية: هل ستستطيع حكومة الزيدي أن تقدم نفسها كسلطة وطنية تطبق مبدأ سيادة الدولة على جميع الأراضي العراقية، وعلى جميع التشكيلات المسلحة دون استثناء ، أم أن حصر السلاح سيبقى قرارًا انتقائيًا يرتبط بهوية الفصيل وموقعه السياسي؟.

على حكومة الزيدي ان تدرك ان شرعية سيادة الدولة لا تُبنى بالانتقائية، ولا تُفرض على جزء من الجغرافيا بينما تُستثنى أجزاء أخرى، فإذا اردنا تحقيق السيادة الاتحادية عبر حصر السلاح بيد الدولة ، فيجب ان يكون من خلال مشروعًا وطنيًا خالصاً بعيداً عن الفروض الخارجية ملزمة التنفيذ ، ويشمل كل شبر من الأراضي العراقية، ويكون اولوية التنفيذ بطرد القوات الأجنبية ، لا سيما التي تحتل أراضي عراقية في الإقليم وتشكل تهديداً لدول الجوار ، وخطراً على امن واستقرار البلاد.
أما إذا بقيت المعالجة انتقائية وبأوامر خارجية ، فإن الحكومة ستجد نفسها أمام “معادلة شديدة التعقيد” ، فهي من جهة مطالبة بإثبات قدرتها على بسط الأمن وإنفاذ القانون، ومن جهة أخرى قد تواجه اعتراضات داخلية تتغذى على الشعور بعدم المساواة في تطبيق القانون.

ومن هنا فإن اختبار حكومة الزيدي الحقيقي لن يكون في قدرتها على إعلان “حصر السلاح بيد الدولة” ، وإنما في قدرتها على تطبيق هذا المبدأ بعيداً عن الضغوطات والإملاءات الخارجية وتتسم بعدالة وشمول، دون استثناء أو انتقائية، وبما يحفظ هيبة الدولة ، ويمنع في الوقت نفسه انزلاق البلاد إلى صدام داخلي ، فالدولة القوية التي تفرض قانونها على الجميع بالمعيار ذاته ، وإلا فإن شعار “حصر السلاح بيد الدولة” قد يتحول من مشروع لترسيخ السيادة إلى عنوانٍ جديد للصراع الداخلي ، الأمر الذي يفقد الحكومة جزءًا من قدرتها على إدارة الأمن، ويعمّق الانقسام الداخلي، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية والصراع الإقليمي، في وقتٍ يحتاج فيه العراق إلى دولةٍ توحّد قرارها وسيادتها، لا إلى ملفٍ يضاف إلى ملفات الانقسام الوطني.