الخميس - 13 اغسطس 2026

ما هي الصهيونية؟ من هرتزل إلى بن غوريون… كيف تحولت الفكرة إلى دولة والميليشيات إلى جيش؟!

منذ ساعتين
الخميس - 13 اغسطس 2026

أمين السكافي ||

 

 

ليست الصهيونية مجرد فكرة دينية، كما أنها ليست في أصلها حركة دينية. والمفارقة الأولى التي تستحق أن نتوقف عندها أن الرجل الذي وضع أسس الصهيونية السياسية الحديثة، تيودور هرتزل، لم يكن حاخاماً ولا رجل دين، بل كان صحافياً وكاتباً يهودياً علمانياً من أواخر القرن التاسع عشر. ولذلك فإن السؤال الأكثر إثارة ليس فقط: لماذا اختار هرتزل فلسطين؟ بل: كيف استطاعت حركة سياسية علمانية أن تستعير من الدين ذاكرة “أرض الميعاد”، وتحولها لاحقاً إلى مشروع دولة وجيش وحدود؟

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للصهيونية.

الصهيونية، في معناها السياسي الحديث، ظهرت في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في زمن صعود القوميات الأوروبية، وانهيار الإمبراطوريات القديمة، وتصاعد معاداة اليهود في روسيا وشرق أوروبا، إلى جانب فشل مشاريع الاندماج الكامل في بعض المجتمعات الأوروبية. لكنها لم تولد من فراغ؛ فقد سبقتها داخل الفكر اليهودي الحديث تيارات دينية وثقافية وقومية مختلفة، بعضها دعا إلى العودة إلى فلسطين، وبعضها رأى أن المشكلة اليهودية يمكن حلها في أوروبا، وبعضها الآخر بحث عن وطن أو إقليم يهودي في مكان آخر.

ومن هنا يجب التمييز بين اليهودية كدين، والقومية اليهودية، والصهيونية السياسية. فوجود علاقة دينية وتاريخية يهودية بالقدس وفلسطين سابق بقرون طويلة على هرتزل، لكن تحويل هذه العلاقة الدينية والرمزية إلى مشروع قومي ودبلوماسي لإقامة كيان سياسي كان ظاهرة حديثة.

ظهر هرتزل في هذه اللحظة.

في عام 1896 نشر كتابه الشهير “دولة اليهود”، وفيه طرح المشكلة اليهودية باعتبارها مشكلة سياسية وقومية، لا مجرد مشكلة دينية. وبعد عام واحد، في 1897، عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل، وأُقر برنامج بازل الذي تحدث عن إقامة “وطن للشعب اليهودي في فلسطين” مضموناً بموجب القانون العام، كما تأسست المنظمة الصهيونية العالمية.

وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات التاريخ.

الرجل العلماني الذي أراد أن يبني دولة حديثة كان يستند، ولو جزئياً، إلى ذاكرة دينية عمرها آلاف السنين.

فكيف يمكن لعقل قومي حديث أن يقول إن فلسطين هي “أرض الميعاد”؟

الجواب أن الصهيونية السياسية لم تخترع العلاقة اليهودية بفلسطين، لكنها أعادت صياغتها سياسياً. فصهيونية هرتزل لم تكن في بدايتها حركة دينية تسعى إلى تحقيق نبوءة توراتية، بل مشروعاً قومياً يريد توفير وطن آمن لليهود. لكن مع مرور الوقت امتزجت القومية بالرموز الدينية، وأصبح “أرض إسرائيل” جسراً بين الذاكرة الدينية والمشروع السياسي.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً: فلسطين لم تكن الخيار الجغرافي الوحيد الذي ظهر في النقاشات اليهودية والصهيونية.

من المهم ألا نقع في مبالغة شائعة تقول إن الحركة الصهيونية طرحت “خمسة بلدان رسمية ثم اختارت فلسطين”. لم يكن هناك استفتاء دولي أو قائمة رسمية متسلسلة بهذا الشكل. لكن التاريخ يعرف بالفعل سلسلة طويلة من المشاريع والاقتراحات المتعلقة بإيجاد وطن أو إقليم للاستيطان اليهودي خارج فلسطين أو إلى جانبها.

طُرحت أفكار بشأن الأرجنتين، وظهرت مشاريع في شرق أفريقيا، وجرى بحث العريش وسيناء، كما ظهرت مشاريع وأفكار تتعلق بـبلاد الرافدين ومناطق في أفريقيا وأستراليا وكندا وغيرها. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن التنظيمات الصهيونية والإقليمية اليهودية ناقشت فعلاً مشاريع في بلاد الرافدين، إلى جانب أراضٍ في شرق أفريقيا وجنوب غربها وكندا وأستراليا.

أما أشهر تلك البدائل فكان مشروع أوغندا.

بعد مذابح كيشينيف عام 1903 وتصاعد الخطر على يهود روسيا، عرضت بريطانيا على هرتزل مشروعاً في شرق أفريقيا. وفي المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903 طرح هرتزل المشروع باعتباره ملجأً مؤقتاً لليهود المهددين في روسيا، وصوّت المؤتمر على إرسال بعثة لدراسة المنطقة.

والمفارقة أن “أوغندا” لم تكن أوغندا الحالية بالمعنى الجغرافي الدقيق؛ فالمنطقة المقترحة كانت في ما يعرف اليوم بكينيا.

إذن، إذا كان السؤال: هل كانت فلسطين قد حُسمت منذ اللحظة الأولى باعتبارها الخيار الجغرافي الوحيد؟ فالجواب التاريخي الأدق هو: لا.

لكنها كانت مختلفة عن سائر الخيارات لأنها امتلكت شيئاً لم تمتلكه الأرجنتين أو كينيا أو سيناء أو بلاد الرافدين: القدرة على الجمع بين الذاكرة الدينية والرمزية التاريخية واللغة السياسية للقومية الحديثة.

وفي النهاية، انتصرت فكرة فلسطين داخل الحركة الصهيونية، وتراجع مشروع أوغندا، ورفض رسمياً في المؤتمر الصهيوني عام 1905. (Wiley Online Library⁠)

ومن هنا بدأت عملية الانتقال من الفكرة إلى الأرض.

الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وشراء الأراضي، وإنشاء المستوطنات، وتأسيس المؤسسات السياسية والاقتصادية، وإحياء اللغة العبرية، وبناء شبكات اجتماعية وعسكرية؛ كلها حولت الصهيونية تدريجياً من فكرة إلى مجتمع سياسي منظم داخل فلسطين.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى.

كان وعد بلفور عام 1917 نقطة تحول كبرى، ثم الانتداب البريطاني، ثم تصاعد الهجرة اليهودية، واشتداد الصراع مع السكان العرب الفلسطينيين. ومع الوقت لم تعد المسألة مجرد إقامة وطن يهودي؛ بل أصبحت مسألة من يملك حق تقرير المصير على الأرض؟

وفي هذه المرحلة برز عامل آخر بالغ الأهمية: السلاح.

فالصهيونية لم تنتظر قيام الدولة حتى تبني مؤسساتها العسكرية.

كانت هناك الهاغاناه، التي أصبحت القوة العسكرية الرئيسية للـ”يشوف” اليهودي في فلسطين، ثم الإرغون (إتسل)، ثم ليحي (شتيرن)، وهي تنظيمات اختلفت في العقيدة والتكتيك والسياسة، بل دخل بعضها في صدامات مع البريطانيين، وفي مراحل معينة مع بعضها بعضاً.

الهاغاناه تطورت تدريجياً إلى قوة عسكرية واسعة، وكان البلماح أحد أبرز تشكيلاتها. ومع اقتراب عام 1948 أصبحت هذه القوات تمتلك بنية قيادة وتسليحاً وتدريباً وخبرة قتالية. ويقر التاريخ الرسمي للجيش الإسرائيلي نفسه بأن الهاغاناه كانت القوة العسكرية الأساسية التي خرج منها جيش الدولة الجديدة.

ثم جاء عام 1948.

في 14 أيار أعلن ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل.

وفي اللحظة نفسها تقريباً، حدث التحول الأخطر في تاريخ المشروع الصهيوني:

تحولت المنظمات المسلحة إلى مؤسسات دولة.

في 26 أيار أصدر بن غوريون الأمر بإنشاء جيش الدفاع الإسرائيلي وحل التنظيمات المسلحة المستقلة، وبدأ دمج الهاغاناه والإرغون وليحي في الجيش الجديد. وتؤكد الوثائق التاريخية الإسرائيلية والأميركية أن عملية الدمج لم تكن بسيطة أو فورية، وأن بعض وحدات الإرغون وليحي احتفظت لفترة ببنيتها الخاصة قبل إخضاعها بالكامل لسلطة الدولة.

وهكذا يمكن تلخيص المسار في أربع كلمات:

فكرة → هجرة → مؤسسات → جيش → دولة.

لكن قصة الدولة لا تكتمل من دون مفارقة أخرى: الدين والدولة.

فبن غوريون، مثل هرتزل، لم يكن رجل دين. وكان المشروع الصهيوني العمالي الذي قاده علمانياً في جوهره. ومع ذلك، أدرك بن غوريون مبكراً أن بناء دولة يهودية لا يمكن أن يتجاهل القوى الدينية اليهودية.

ولهذا جاء التفاهم الشهير عام 1947 مع القوى الحريدية، والذي عُرف لاحقاً بتسوية “الوضع القائم” أو الستاتوس كوو.

لكن هنا أيضاً يجب أن نكون دقيقين.

لم يدعُ بن غوريون الحريديم ببساطة إلى دولة “لا يخدمون فيها ولا يعملون في مؤسساتها”. فقد كان الاتفاق أوسع وأكثر تعقيداً. وشمل قضايا مثل السبت، والتعليم الديني، والأحوال الشخصية، والطعام وفق الشريعة اليهودية، إضافة إلى إعفاء عدد محدود من طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية. كان العدد الأولي يقارب 400 طالب، وهو ما تحوّل لاحقاً إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.

والمفارقة التاريخية هنا مذهلة:

دولة ولدت من مشروع صهيوني علماني احتاج إلى الدين كي يمنح الدولة عمقها الرمزي؛ ثم احتاج الدين إلى الدولة كي يحافظ على مؤسساته؛ ثم تحولت التسوية المؤقتة إلى أزمة دائمة.

وهذا هو أحد الأسئلة التي ما زالت إسرائيل تعيشها حتى اليوم.

فالصهيونية التي بدأت كحركة قومية علمانية لم تبقَ شيئاً واحداً. أصبحت تيارات: عمالية، تنقيحية، دينية، قومية، ليبرالية، استيطانية وغيرها. وكل تيار أعاد تعريف معنى “الدولة اليهودية” بطريقته.

أما فلسطين، فكانت في المقابل أكثر من أرض على الخريطة.

كانت أرضاً يسكنها شعب عربي فلسطيني، وله مدنه وقراه وأرضه وذاكرته وتاريخه، وفي الوقت نفسه كانت في الوعي اليهودي مرتبطة بذاكرة دينية وتاريخية عميقة.

ومن هنا نشأ الصراع الذي لم يكن مجرد صراع بين دينين، ولا بين شعبين متجاورين فحسب، بل بين مشروعين متعارضين على الأرض نفسها.

مشروع قومي يهودي جاء من أوروبا الحديثة حاملاً معه ذاكرة توراتية، ومشروع وطني فلسطيني وجد نفسه أمام حركة سياسية منظمة، ثم أمام مؤسسات دولية، ثم أمام قوة عسكرية، ثم أمام دولة.

ولذلك فإن فهم الصهيونية لا يبدأ من عام 1948، ولا من حرب حزيران 1967، ولا حتى من وعد بلفور.

يبدأ من السؤال الأقدم:

كيف تحولت ذاكرة دينية عن أرض قديمة إلى برنامج قومي حديث؟

ثم من السؤال الثاني:

كيف استطاع هذا البرنامج، الذي كان في بدايته فكرة نخبوية ومتنازعاً حول جغرافيتها، أن يتحول إلى مؤسسات ومستوطنات وقوة عسكرية ودبلوماسية، ثم إلى دولة؟

وربما تكون المفارقة الكبرى أن الدولة التي أسسها رجال علمانيون لم تتخلص من الدين، والدين الذي لم يكن هو الذي أسس الحركة الصهيونية السياسية أصبح لاحقاً أحد أهم مصادر شرعيتها الداخلية، فيما أصبح الجيش الذي خرج من رحم منظمات سرية هو العمود الفقري للدولة.

وهكذا لم تكن الصهيونية قصة رجل اسمه هرتزل فقط.

كانت قصة تحويل الذاكرة إلى قومية، والقومية إلى مشروع سياسي، والمشروع السياسي إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قوة مسلحة، والقوة المسلحة إلى دولة.

لكن السؤال الذي بقي مفتوحاً منذ اللحظة الأولى، وما زال مفتوحاً بعد أكثر من قرن، هو السؤال الذي لا تستطيع أي رواية تاريخية أن تتجاوزه:

ماذا يحدث عندما تحاول حركة قومية أن تحقق وطناً تاريخياً على أرض يعيش عليها شعب آخر؟

هنا تحديداً تبدأ قصة فلسطين الحديثة.

وهنا أيضاً يبدأ الصراع الذي لم ينتهِ بقيام إسرائيل، بل ربما كان قيامها هو اللحظة التي انتقل فيها الصراع من سؤال: هل ستقوم الدولة؟ إلى السؤال الأكثر تعقيداً: لمن تكون الأرض، ومن يملك حق تقرير مستقبلها .

لم يدعُ بن غوريون الحريديم ببساطة إلى دولة “لا يخدمون فيها ولا يعملون في مؤسساتها”. فقد كان الاتفاق أوسع وأكثر تعقيداً. وشمل قضايا مثل السبت، والتعليم الديني، والأحوال الشخصية، والطعام وفق الشريعة اليهودية، إضافة إلى إعفاء عدد محدود من طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية. كان العدد الأولي يقارب 400 طالب، وهو ما تحوّل لاحقاً إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.

والمفارقة التاريخية هنا مذهلة:

دولة ولدت من مشروع صهيوني علماني احتاج إلى الدين كي يمنح الدولة عمقها الرمزي؛ ثم احتاج الدين إلى الدولة كي يحافظ على مؤسساته؛ ثم تحولت التسوية المؤقتة إلى أزمة دائمة.

وهذا هو أحد الأسئلة التي ما زالت إسرائيل تعيشها حتى اليوم.

فالصهيونية التي بدأت كحركة قومية علمانية لم تبقَ شيئاً واحداً. أصبحت تيارات: عمالية، تنقيحية، دينية، قومية، ليبرالية، استيطانية وغيرها. وكل تيار أعاد تعريف معنى “الدولة اليهودية” بطريقته.

أما فلسطين، فكانت في المقابل أكثر من أرض على الخريطة.

كانت أرضاً يسكنها شعب عربي فلسطيني، وله مدنه وقراه وأرضه وذاكرته وتاريخه، وفي الوقت نفسه كانت في الوعي اليهودي مرتبطة بذاكرة دينية وتاريخية عميقة.

ومن هنا نشأ الصراع الذي لم يكن مجرد صراع بين دينين، ولا بين شعبين متجاورين فحسب، بل بين مشروعين متعارضين على الأرض نفسها.

مشروع قومي يهودي جاء من أوروبا الحديثة حاملاً معه ذاكرة توراتية، ومشروع وطني فلسطيني وجد نفسه أمام حركة سياسية منظمة، ثم أمام مؤسسات دولية، ثم أمام قوة عسكرية، ثم أمام دولة.

ولذلك فإن فهم الصهيونية لا يبدأ من عام 1948، ولا من حرب حزيران 1967، ولا حتى من وعد بلفور.

يبدأ من السؤال الأقدم:

كيف تحولت ذاكرة دينية عن أرض قديمة إلى برنامج قومي حديث؟

ثم من السؤال الثاني:

كيف استطاع هذا البرنامج، الذي كان في بدايته فكرة نخبوية ومتنازعاً حول جغرافيتها، أن يتحول إلى مؤسسات ومستوطنات وقوة عسكرية ودبلوماسية، ثم إلى دولة؟

وربما تكون المفارقة الكبرى أن الدولة التي أسسها رجال علمانيون لم تتخلص من الدين، والدين الذي لم يكن هو الذي أسس الحركة الصهيونية السياسية أصبح لاحقاً أحد أهم مصادر شرعيتها الداخلية، فيما أصبح الجيش الذي خرج من رحم منظمات سرية هو العمود الفقري للدولة.

وهكذا لم تكن الصهيونية قصة رجل اسمه هرتزل فقط.

كانت قصة تحويل الذاكرة إلى قومية، والقومية إلى مشروع سياسي، والمشروع السياسي إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قوة مسلحة، والقوة المسلحة إلى دولة.

لكن السؤال الذي بقي مفتوحاً منذ اللحظة الأولى، وما زال مفتوحاً بعد أكثر من قرن، هو السؤال الذي لا تستطيع أي رواية تاريخية أن تتجاوزه:

ماذا يحدث عندما تحاول حركة قومية أن تحقق وطناً تاريخياً على أرض يعيش عليها شعب آخر؟

هنا تحديداً تبدأ قصة فلسطين الحديثة.

وهنا أيضاً يبدأ الصراع الذي لم ينتهِ بقيام إسرائيل، بل ربما كان قيامها هو اللحظة التي انتقل فيها الصراع من سؤال: هل ستقوم الدولة؟ إلى السؤال الأكثر تعقيداً: لمن تكون الأرض، ومن يملك حق تقرير مستقبلها .