الخميس - 13 اغسطس 2026
منذ 33 دقيقة
الخميس - 13 اغسطس 2026

د. مسعود ناجي إدريس ||

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة الكرام…
عندما نتحدث عن الانتظار الحقيقي، فإن أول ميدان يجب أن يلتفت إليه الإنسان ليس خارج نفسه، بل داخله.
فقد يظن الإنسان أن أكبر التحديات دائماً تأتي من الخارج، ولكن القرآن وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام) تعلمنا أن الإنسان قبل أن يواجه تحديات العالم، يحتاج إلى أن يعرف نفسه ويهذبها.
لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن ينتصر على ضعفه الداخلي، سيكون من الصعب عليه أن يحمل مسؤوليات كبيرة في طريق الحق.
أيها الأحبة…
إن الانتظار ليس فقط استعداداً لحدث عظيم في المستقبل، بل هو أيضاً رحلة تربوية يعيشها الإنسان في الحاضر.
رحلة يتعلم فيها كيف يسيطر على غضبه.
وكيف يضبط شهواته.
وكيف يقدم الحق على رغبات النفس.
وكيف يجعل علاقته بالله أقوى من تعلقه بالدنيا.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾
(سورة النازعات، الآيتان ٤٠-٤١)
فالقرآن يبين أن من أعظم مراتب الإنسان أن يستطيع أن يوجه نفسه ولا يكون أسيراً لرغباته.
أيها الأحبة…
مشكلة الإنسان ليست دائماً في معرفة الطريق، بل أحياناً في القدرة على السير فيه.
قد يعرف الإنسان الخير، ولكنه يجد صعوبة في تطبيقه.
يعرف أهمية الصبر، ولكنه يغضب بسرعة.
يعرف قيمة الصدق، ولكنه يضعف أمام مصلحة معينة.
يعرف فضل العطاء، ولكنه يتعلق بما يملك.
ولهذا فإن بناء الإنسان يحتاج إلى مجاهدة مستمرة.
أيها الأحبة…
إن جهاد النفس لا يعني أن الإنسان يصبح بلا أخطاء.
فالإنسان بطبيعته يخطئ ويضعف.
ولكن الفرق بين الإنسان الواعي وغيره هو أن الإنسان الواعي لا يستسلم لضعفه.
إذا أخطأ رجع.
إذا قصر أصلح.
إذا ابتعد اقترب من الله من جديد.
وهذه هي حركة الإنسان المؤمن نحو الكمال.
قال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام):
«أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك».
فأصعب المعارك ليست دائماً مع الآخرين، بل مع النفس التي قد تمنع الإنسان من الوصول إلى أفضل نسخة من ذاته.
أيها الأحبة…
المنتظر الحقيقي يحتاج إلى قلب قوي، والقلب القوي لا يُبنى إلا بتربية النفس.
فلا يمكن أن نطلب مجتمعاً قائماً على العدل، ونحن لا نستطيع أن نعدل في أهوائنا.
ولا يمكن أن نطلب انتشار الرحمة، ونحن لا نرحم من حولنا.
ولا يمكن أن نطلب إصلاح العالم، ونحن نترك أنفسنا بلا إصلاح.
أيها الأحبة…
من أهم وسائل مجاهدة النفس:
أولاً: مراقبة الإنسان لنفسه.
أن يسأل نفسه دائماً:
لماذا فعلت هذا؟
هل هذا يرضي الله؟
هل هذا يقربني من الهدف الذي أريده؟
ثانياً: تعويد النفس على الطاعة.
فالنفس تحتاج إلى التدريب كما يحتاج الجسد إلى التدريب.
ثالثاً: عدم الاستسلام للرغبات السريعة.
فليس كل ما تريده النفس يكون خيراً لها.
أيها الأحبة…
في زمننا اليوم، أصبحت مجاهدة النفس أكثر أهمية.
لأن الإنسان يعيش وسط الكثير من المؤثرات التي تحاول أن تشغله عن أهدافه.
كثرة الانشغال.
ضعف التركيز.
انتشار المقارنات.
الانجذاب إلى المظاهر.
كل هذه الأمور تحتاج إلى إنسان يمتلك قوة داخلية ووعياً برسالته.
أيها الأحبة…
إن المنتظر لحضرة صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا ينتظر فقط تغير العالم، بل يبدأ بتغيير نفسه.
فكل انتصار على الغضب.
وكل مقاومة للخطأ.
وكل خطوة نحو الأخلاق الأفضل.
هي جزء من بناء الإنسان الذي يستطيع أن يحمل مسؤولية المستقبل.
أيها الأحبة…
علينا أن نسأل أنفسنا:
هل أنا أملك نفسي أم أن رغباتي تقودني؟
هل أستطيع أن أختار الحق عندما يكون صعباً؟
هل أعمل على إصلاح داخلي كما أتحدث عن إصلاح الآخرين؟
فالطريق إلى بناء المجتمع الصالح يبدأ من بناء الإنسان الصالح.
والطريق إلى بناء الإنسان الصالح يبدأ من الانتصار على النفس.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتزكية أنفسنا، وأن يجعلنا من الذين يجاهدون أهواءهم في سبيل الله، وأن يرزقنا الاستعداد الحقيقي لنصرة الحق مع حضرة صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
والحمد لله رب العالمين.