الخميس - 13 اغسطس 2026

جرف النصر.. بين حق الأمن وحق العودة..!

منذ 22 دقيقة
الخميس - 13 اغسطس 2026

حسن درباش العامري ||

 

 

 

يجب ألا تُحل القضايا الحساسة بهذه الطريقة المتشنجة، ولا ينبغي أن تتحول الملفات الأمنية والاجتماعية إلى وقود جديد للتناحر والطائفية والمكوناتية؛ لأن العراق حين يدخل في هذا الطريق لن يخرج منه منتصر، بل سيكون الجميع خاسراً، وسيكون المواطن العراقي هو أول من يدفع الثمن.

ولعل قضية جرف النصر، أو جرف الصخر سابقاً، من أكثر القضايا التي تحتاج إلى خطاب هادئ وعاقل، بعيداً عن المزايدات السياسية والطائفية. فقبل أن نتحدث عن عودة الأهالي وحقوقهم، علينا أن نتذكر ماذا كانت تمثل تلك المنطقة في سنوات الإرهاب، وأن نستحضر ما تعرضت له المناطق المحيطة بها من عمليات إرهابية دامية.

فقد كانت المنطقة، بحسب ما كان معروفاً ومتداولاً آنذاك، إحدى البؤر التي تحصنت فيها جماعات إرهابية، واستُخدمت طرقها وممراتها في التحرك باتجاه مناطق أخرى، فيما تعرضت مناطق مجاورة لهجمات دامية، بينها تفجيرات استهدفت الأسواق والمدارس والتجمعات المدنية، وكان المواطنون الأبرياء هم الضحية الأولى لها.

ولهذا كان من واجب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وقوات الحشد الشعبي أن تقوم بواجبها في تحرير المنطقة والقضاء على أوكار الإرهاب، وهذا ما حصل بالفعل. وفي ظروف الحرب على الإرهاب، لم يكن من السهل دائماً التفريق بين المواطن المسالم وبين من يمكن أن يكون متعاوناً أو متورطاً مع الجماعات الإرهابية، ولذلك اتُخذت إجراءات أمنية قاسية شملت إبعاد السكان خلال العمليات وبعدها، وهو أمر ينبغي النظر إليه ضمن ظروف تلك المرحلة الاستثنائية، لا بمعايير زمن مختلف تماماً.

لكن انتهاء المعركة لا يعني انتهاء المشكلة.
فالأمن شيء، وحقوق المواطنين شيء آخر. وإذا كانت هناك عوائل بريئة تضررت من إجراءات اتُخذت لحماية المنطقة والمناطق المحيطة بها، فمن واجب الدولة أن تبحث عن حل عادل ومنظم لقضيتها، وأن تميز بين من ثبت تورطه بالإرهاب وبين المواطن الذي لم تثبت بحقه أية جريمة، وأن تضع آلية قانونية واضحة لمسألة الملكية والسكن والعقود الزراعية وحق العودة.فمن كان صاحب ملك طابوا فمن حقه العودة ولكن من كان مؤجر للارض وقد تم انتهاء مدة الايجار ولم يعمل على تجديدة فهذا شأنه ونحن نتحدث عن اصحاب الملك الطابو.

أما أن يتحول الملف إلى مواجهة طائفية، وأن يُقال إن هناك مكوناً يُمنع من العودة لأنه ينتمي إلى هذا المكون أو ذاك، فهذا يجب توضيحه وتقديم كل المبررات له ، كما أن تحويل المطالبة بالعودة إلى خطاب يبرر الإرهاب أو يتجاهل المخاطر الأمنية ليس مقبولاً أيضاً.

الدولة مطالبة بأن تفعل الأمرين معاً: تحمي أمن مواطنيها بكل الاجراءات الممكنه وتحفظ حقوق مواطنيها.

ومن هنا فإن الحديث عن جرف النصر يجب أن يكون حديثاً عن القانون والأمن وحقوق الإنسان، وليس عن السنة والشيعة، ولا عن العرب وغيرهم، ولا عن انتصار مكون على مكون.

أما القول إن عملية تحرير المنطقة كانت «احتلالاً» وليس تحريراً، فهذه عبارة خطيرة جداً، ولا يجوز إطلاقها بلا مسؤولية. فإذا كان المقصود بها الاعتراض على بعض الإجراءات التي رافقت التحرير، فليُطرح الاعتراض بوضوح، وليُطالب بالتحقيق والتعويض ومعالجة الأخطاء، وهذا حق مشروع.

أما إذا كان المقصود هو نزع صفة التحرير عن عملية عسكرية وتضحيات أنهت وجود جماعات إرهابية كانت تهدد حياة العراقيين، فإن الأمر يصبح مختلفاً تماماً، ويستوجب من الدولة توضيح المقصود من هذا التصريح ومساءلة قائله قانونياً إن تضمن تحريضاً أو تبريراً للإرهاب، لأن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى إعادة صياغة للتاريخ بما يخدم الإرهاب.

وفي المقابل، على الدولة ألا تستخدم عنوان مكافحة الإرهاب ذريعة لإبقاء ملف العودة مفتوحاً إلى ما لا نهاية وبالخصوص لملاك الارض وليس لغيرهم ، أو لتحويل العقوبة الأمنية إلى عقوبة جماعية تطال عوائل لم يثبت بحق أفرادها أي جرم.
نحن بحاجة إلى عدالة لا انتقام، وإلى أمن لا إقصاء، وإلى عودة منظمة ومسيطر عليها بكل الوسائل المتاحة لا عودة فوضوية، وإلى دولة لا إلى ردود أفعال طائفية.

فالعراق لن يبنى بفتح أبوابها أمام من يمكن أن يعيد الإرهاب إليها.
المعادلة الصحيحة بسيطة: من ثبتت علاقته بالإرهاب يحاسب وفق القانون، ومن ثبتت براءته تُصان حقوقه، والمنطقة تبقى تحت سلطة الدولة وسيادتها، ولا يُسمح لأي جهة أن تجعل منها مرة أخرى منطلقاً لتهديد العراقيين.

هذه هي العدالة التي يحتاجها العراق؛ لا عدالة المكونات والاحقاد او اطلاق الاتهامات وانكار التضحيات ، ولا عدالة الانتقام، ولا عدالة التسويات السياسية.