البعث حزب أم فكر؟!
الشخ قاسم عبد مردان العارضي ||

ثيرون يعترضون علينا عندما نذكر البعث ونحذر من عودة الفكر البعثي ويقولون لماذا تستمرون في الحديث عن حزب انتهى وسقط ولم يعد له وجود كما كان في السابق؟
والجواب ببساطة: نحن لا نتحدث عن البعث باعتباره تنظيما سياسيا قائما كما كان في الماضي فقط وإنما نتحدث عن فكر وثقافة سياسية تركت آثارا عميقة في المجتمع العراقي وما زالت تظهر في بعض الخطابات والمواقف والسلوكيات.
أولا: البعث لم ينته بمجرد سقوط الحزب
من يقول إن البعث ذهب وانتهى تماما قد يكون خلط بين الحزب كتنظيم وبين الفكر كمنظومة التنظيم يمكن أن يسقط في يوم واحد أما الأفكار فلا تسقط بقرار سياسي. وما زال من الممكن أن نجد من يستعيد بعض مفردات المرحلة البعثية أو يحن إليها أو يتعامل مع رموزها وممارساتها بإيجابية أو بتبرير غير مباشر ولهذا فإن الحديث عن البعث ليس اتهاما جزافيا لكل من نختلف معه وإنما هو قراءة لبعض الخطابات والمواقف التي تستعيد لغة تلك المرحلة أو تبرر جزءا من إرثها.
ثانيا: خطاب الحضن العربي لا يمكن فصله عن التاريخ
من أكثر المفردات التي تستحق النقاش الحديث المتكرر عن الحضن العربي وكأن العراق لم يتلق من محيطه العربي خلال العقود الماضية إلا الدعم والمساندة البعث كان يرفع شعار أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة واستخدم الخطاب القومي لتبرير سياسات وحروب ألحقت بالعراقيين والمنطقة خسائر هائلة ومن حق العراقي أن يسأل ماذا قدمت لنا الدول التي دعمت النظام السابق؟ وماذا كان موقفها من العراق عندما واجه الإرهاب؟ وفي المقابل لا يمكن إنكار أن إيران قدمت دعما للعراق في مواجهة تنظيم داعش بعد عام 2014 ولذلك من حق العراقي أن يقارن بين المواقف على أساس الوقائع والمصالح الوطنية لا على أساس الشعارات لكن النقد يجب أن يكون موجها إلى مواقف الدول وسياساتها لا إلى الشعوب أو القوميات بأكملها.
ثالثا: الحنين إلى زمن البعث ليس مجرد حنين إلى الماضي
عندما يقول شخص ليت الزمان يعود وهو يقصد مرحلة حكم البعث فالمشكلة ليست في الحنين إلى الماضي بحد ذاته وإنما في الصورة التي يحاول تقديمها عن ذلك الماضي.
العراق عاش في تلك المرحلة حروبا وحصارا وقمعا سياسيا وانتهاكات واسعة وكان المواطن العراقي يدفع ثمن سياسات السلطة من أمنه واقتصاده وحياته ومستقبل أبنائه لذلك لا ينبغي أن تتحول الذاكرة إلى عملية تجميل للماضي ولا أن يتم اختزال مرحلة كاملة بصورة مثالية لا تتفق مع الوقائع التي عاشها العراقيون.
رابعا: تذكير الأجيال بجرائم البعث ضرورة وليس انتقاما
نحن لا نذكر جرائم البعث رغبة في الانتقام من الماضي وإنما لأن الشعوب التي تنسى تاريخها قد تعيد إنتاجه.
يجب أن يعرف الجيل الجديد ماذا حدث للعراقيين في تلك الحقبة وأن يقرأ التاريخ بكل تفاصيله من المقابر الجماعية والقمع السياسي والحروب والإعدامات والتهجير وتجفيف الأهوار والجرائم التي تعرضت لها مختلف مكونات الشعب العراقي التاريخ ليس أداة للكراهية بل وسيلة لمنع تكرار المأساة.
خامسا: رفض عودة البعث موقف وطني العراق دفع ثمنا باهظا بسبب الدكتاتورية والحكم الشمولي ولذلك فإن رفض عودة البعث ليس موقفا موجها ضد فئة اجتماعية أو مكون معين بل هو رفض لأي مشروع يعيد إنتاج الاستبداد والإقصاء والحكم الفردي ومن حق العراقيين أن يراقبوا الخطابات والتجمعات والمواقف السياسية التي تتحدث عن الماضي وأن يسألوا هل نحن أمام مجرد حنين شخصي أم أمام محاولة لإعادة إنتاج منظومة سياسية وفكرية انتهى زمنها؟ العراق لا يحتاج إلى العودة إلى المربع الأول. يحتاج إلى دولة ومؤسسات وقانون وإلى نظام سياسي يحفظ حقوق جميع العراقيين دون إقصاء أو تمييز.
سادسا: أخطر ما في الفكر البعثي هو تحويل الإنسان إلى تابع للسلطة المشكلة الأساسية في التجربة البعثية لم تكن مجرد اسم حزب أو شعار سياسي وإنما منظومة تقوم على تقديس السلطة وإلغاء الآخر وتحويل الدولة إلى أداة للسيطرة والقمع.
وقد عانى العراقيون من هذه المنظومة بمختلف مكوناتهم وإن كانت بعض الفئات قد تعرضت لجرائم واضطهاد واسع بصورة خاصة ولهذا يجب أن يكون موقفنا واضحا: لا عودة للدكتاتورية ولا عودة للحكم الشمولي ولا تبرير لجرائم الماضي ولا تحويل العراق مرة أخرى إلى ساحة لصراع السلطة على حساب الشعب.
الخلاصة
نحن عندما نذكر البعث لا نبحث عن خصومة مع الماضي وإنما نحذر من أن يتحول الماضي إلى مشروع للمستقبل.
قد يسقط الحزب لكن بعض أفكاره يمكن أن تبقى في العقول. وقد تختفي الشعارات لكن آثارها قد تظهر في الخطاب والسلوك والمواقف لذلك فإن مواجهة الفكر البعثي لا تكون بالصراخ والاتهامات العشوائية وإنما بالتاريخ والوثائق والقانون والوعي السياسي العراق عانى كثيرا ومن حق أجياله الجديدة أن تعرف الحقيقة كاملة ومن واجبنا أن نضمن ألا تعود البلاد إلى زمن كان فيه المواطن يخاف من دولته بدلا من أن تحميه البعث صفحة سوداء من تاريخ العراق وقراءتها ليست ترفا سياسيا بل ضرورة حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.




