الخميس - 13 اغسطس 2026

انفجار العلاقة بين واشنطن وتل أبيب: من سيدفع فاتورة الحرب على إيران؟

منذ 39 دقيقة
الخميس - 13 اغسطس 2026

ناجي علي أمهز ||

 

 

 

هكذا هي الدول الكبرى؛ تُحاسب قادتها لا على الخطيئة الكبرى فحسب، بل على “الفاصلة” إن وُضعت في غير مكانها. هذا ما يشهده المشهد الأمريكي اليوم مع الرئيس دونالد ترامب، الذي يبدو أنه غرق في أوحال سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مما أدخل “أمريكا العظمى” في منعطف خطير للغاية، قد ينتهي بخروجها من الشرق الأوسط مهزومة سياسياً واستراتيجياً؛ وهي حقيقة لا مبالغة فيها.

نعم، ثمة روايات عالمية تقترب في حبكتها من “نظرية المؤامرة” الخيالية، لكن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة اليوم هي ضحية هذه المؤامرة، أو لعلنا نلخص المشهد بالقول: إن ترامب نفسه كان الضحية الأبرز لمكيدة كبرى وقع في شباكها.

في مقال سابق “ترامب والحزب الجمهوري.. هل خسرا المعركة السياسية الأمريكية؟”، تحدثنا عن خطيئة أمريكية أدت إلى نشوء تحالف ثلاثي إسلامي هو الأكبر عالمياً. هذا التحالف يُعد “خطيئة مميتة” في لعبة الأمم، ارتكبتها واشنطن كناتج عرضي لسياسة الضغوط القصوى والحرب على إيران.

اليوم، ودون مقدمات، انفجر الخلاف الأمريكي-الإسرائيلي إلى العلن عبر تصريح رسمي من الاستخبارات الأمريكية، نقلته كبرى الصحف، يفيد بأن محاولة إيران اغتيال ترامب في تركيا لم تكن سوى “فبركة إسرائيلية”. وبعيداً عن الغاية من وراء هذه الفبركة —سواء كانت محاولة إسرائيلية للتخلص من ترامب وإلصاق التهمة بطهران، أو لاستمرار واشنطن في حرب مفتوحة غير معلومة النتائج — فإن نشر وثائق بهذه الخطورة يشير إلى صدع عميق وغير مسبوق في جدار العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية.

وحتى لو لم يُنشر هذا التصريح الاستخباري الخطير، كنت سأمضي في تحليل ما يجري في المنطقة. فالقوى العالمية تدرك أن المخطط الغربي (البريطاني-الأمريكي) والإقليمي (الإسرائيلي) كان يقوم تاريخياً على منع قيام تحالفات كبرى في المنطقة العربية والإسلامية، لإبقاء دولها هشة ومنقسمة، بما يسهل السيطرة على ثرواتها ومنعها من فرض نفسها في المعادلة الدولية.

إلا أن “الاتفاق الثلاثي” (السعودي–التركي–الباكستاني) جاء ليوجه صفعة قوية لتل أبيب ومن خلفها الغرب. هذا الاتفاق يشكل حجر الزاوية للمنطقة الجديدة، وهو أمر يحظى بترحيب ومباركة شعبية ورسمية واسعة عربياً وإسلامياً.

لكن بقراءة متأنية لمواقف أطراف هذا التحالف، نجد الآتي:
أولاً: باكستان؛ يرى مراقبون أن إسلام آباد ستكون المستفيد الأكبر؛ إذ سيحولها هذا الاتفاق إلى قوة دولية كبرى خلال سنوات قليلة، وقد يدفعها للمطالبة بحق “الفيتو” في مجلس الأمن كتمثيل للدول الإسلامية بصفتها قوة نووية. ورغم وجود مخاوف من “قطبة مخفية” تتمثل في سعي الغرب لنشر الفوضى في باكستان رداً على هذه الخطوة، إلا أن القيادة الباكستانية تدرك أن دورها في جنوب آسيا محوري، ولا يمكن للعالم المجازفة بهز استقرارها إلا في حال وجود اتفاق (صيني-أمريكي) مستبعد حالياً، فبدون باكستان يختل التوازن الآسيوي إلى الأبد.

ثانياً: تركيا؛ تدرك أنقرة تماماً حجم التحديات الراهنة والمستقبلية. ومع التجاذبات السياسية الداخلية بين التيارات المختلفة، تسعى تركيا لتحصين نفسها عبر هذا التحالف الثلاثي. وثمة قراءات تشير إلى أن واشنطن قد لا تمانع تورط تركيا في هذا المسار لتقليم أظافر “أوروبا العجوز” وقطع الطريق على النفوذ الفرنسي في ليبيا. لكن في نهاية المطاف، سيؤدي هذا الحراك إلى تغيير وجه العالم العربي والإسلامي خلال أشهر، ليتحول إلى قوة كاسحة لا يمكن وقفها، مما قد يمهد لتحول فكري واستراتيجي يعيد الحقوق العربية في القدس.

ثالثاً: المملكة العربية السعودية؛ هي الرابح الأكبر والمحرك الرئيس لهذا التحالف. فالمملكة تحظى باحترام وتقدير السواد الأعظم من العرب والمسلمين، خاصة مع نهضة التحديث ومكافحة التشدد التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. السعودية اليوم ترسل رسالة واضحة ببدء التخلي عن أي تحالفات لا تخدم مصالحها الوطنية بشكل كامل. فبينما كانت المملكة في التحالفات الغربية تأتي أولويتها بعد “أمن إسرائيل”، فإنها اليوم تقف على رأس تحالف (تركي-باكستاني) تكون فيه الأولوية للمصالح المشتركة والسيادة.

لكن هل ستقبل امريكا بهكذا متغير استراتيجي جيوسياسي دون ردة فعل، هنا السؤال.

الخلاصة:
بعيدا عما سيحصل غربيا وامريكيا لاصلاح خطا ترامب الذي ادى الى نشوء تحالف اسلامي عربي، الا ان هناك فاتورة باهظة الثمن ستدفعها أمريكا جراء سياساتها تجاه إيران وما نتج عنها من متغيرات استراتيجية. ومن يقرأ في العمق السياسي يدرك أن نتنياهو هو أول من سيدفع الثمن، ويليه ترامب. الأيام القادمة ستحمل الكثير، لكن المؤكد أن “الحرب” التي شُنت على إيران قد ارتدت عكساً، وقلبت معادلة الشرق الأوسط بالكامل.