اتفاقية مكة الثلاثية.. تحالف على الورق أم معادلة ردع حقيقية؟ قراءة في موقع إيران من المشهد..!
حسن عبد الهادي زاير العڰيلي — كاتب وباحث في الشأن السياسي ||
حسن عبد الهادي
في مشهد يحمل الكثير من الرمزية والتوقيت المدروس، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة، “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي تنص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع. جاء التوقيع في قمة استضافتها مكة المكرمة، بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في توقيت لا يمكن فصله عن التصعيد الإقليمي المحيط بإيران والتهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن وتل أبيب.
السؤال الذي يفرض نفسه على أي قارئ متمعن للمشهد الإقليمي ليس فقط “ماذا يعني هذا الاتفاق؟”، بل الأهم: هل يغيّر هذا الاتفاق موازين القوة فعلاً، أم أنه محاولة رمزية لتعويض هشاشة بنيوية في المنظومة الأمنية الخليجية؟
أولاً: سياق الاتفاق ودوافعه الحقيقية
لا يمكن قراءة هذا الاتفاق بمعزل عن الحالة النفسية والاستراتيجية التي تعيشها الرياض. فبحسب تقارير غربية متطابقة، تتحسب السعودية من هجوم واسع ومنسق من فصائل مدعومة من إيران في العراق واليمن، مدعوم بغطاء من الحرس الثوري الإيراني، في حال تجدد التصعيد الأمريكي ضد طهران. هذا الخوف بالذات هو الذي دفع الرياض إلى البحث عن “طبقة حماية إضافية” تتجاوز اعتمادها التاريخي على المظلة الأمريكية.
المفارقة أن السعودية، رغم عقود من الإنفاق العسكري الهائل والشراكة الأمنية مع واشنطن، لا تزال غير قادرة على أن تشعر بالأمان الذاتي، وهذا اعتراف ضمني بفشل نموذج “الأمن المستورد” الذي بنت عليه المملكة عقيدتها الدفاعية منذ عقود. الاتفاق مع تركيا وباكستان، في جوهره، هو محاولة لتعويض هذا الفراغ لا استبداله بمنظومة ذاتية حقيقية.
ثانياً: أين إيران من هذا الاتفاق؟
رغم تأكيد الأطراف الثلاثة أن الاتفاقية “دفاعية بحتة ولا تستهدف أي طرف بعينه”، فإن قراءات تحليلية غربية، من بينها تحليل نشرته CNN، وصفت التوقيت وبند الدفاع الجماعي بأنهما يحملان “رسالة تحذير مباشرة لطهران”، على اعتبار أن أي هجوم مستقبلي على السعودية قد يفعّل بنود الاتفاقية ويجرّ تركيا وباكستان إلى صراع طالما تجنبتاه.
هذه القراءة، وإن كانت تحمل بعض المنطق العسكري، إلا أنها تفتقر إلى إدراك عميق لطبيعة القرار السياسي في أنقرة وإسلام آباد. فتركيا، رغم عضويتها في الناتو وتوسعها الصناعي الدفاعي، لم تُخفِ يوماً حرصها على علاقة عملية ومتوازنة مع طهران، خصوصاً في الملفين السوري والعراقي، ولا مصلحة استراتيجية حقيقية لها في الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران لصالح حسابات سعودية. أما باكستان، فعلاقتها بإيران تحكمها حدود مشتركة طويلة وحساسية بالغة تجاه أي تصعيد، إضافة إلى أن إسلام آباد تاريخياً حريصة على عدم الانخراط في محاور طائفية تهدد توازنها الداخلي الشيعي-السني.
ثالثاً: الرد الإيراني.. ثقة لا تراجع
جاء الرد الإيراني الأول على الاتفاقية عبر عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، الذي اعتبر أن “الاتفاق الورقي” مع تركيا وباكستان لن يجلب الأمن للرياض، مشبّهاً إياه بسنوات الاعتماد الأحادي على الأمريكيين التي لم توفر الأمن المنشود للمملكة، وداعياً السعوديين إلى “تصحيح سياساتهم” بدلاً من “استجداء الأمن من الآخرين”.
هذا الموقف، بعيداً عن قراءته كمجرد رد فعل دبلوماسي روتيني، يعكس حقيقة استراتيجية تكرّرت مراراً في السياسة الإيرانية طوال العقدين الأخيرين: إيران لا تراهن على التحالفات الورقية، بل على بناء قدرة ردع ذاتية وشبكة نفوذ إقليمية متجذرة لا يمكن لأي اتفاقية دفاعية تقليدية أن تفككها بجرة قلم. فالصبر الاستراتيجي الإيراني، الذي أثبت جدواه في أكثر من محطة إقليمية، يقوم على قناعة بأن التحالفات المبنية على الخوف الآني غالباً ما تكون هشة البنية، لأنها لا تنبع من مصالح استراتيجية متجانسة بقدر ما تنبع من ردة فعل لحظية على تهديد متصور.
رابعاً: مواطن الضعف البنيوية في الاتفاق
من منظور تحليلي موضوعي، يمكن رصد عدة نقاط ضعف جوهرية تُضعف من قدرة هذا الاتفاق على تشكيل تهديد استراتيجي
حقيقي لإيران:
تباين الأولويات الوطنية: تركيا منشغلة بملفاتها في سوريا وشمال العراق وشرق المتوسط، وباكستان مثقلة بأزماتها الداخلية الاقتصادية وتوترها المستمر مع الهند، ما يجعل التزامهما الفعلي بأي مواجهة مباشرة مع إيران أمراً بعيد الاحتمال عملياً مهما نصّ عليه الاتفاق نظرياً.
غياب البعد العقائدي الموحّد: على عكس محور المقاومة الذي تقوده إيران والذي يستند إلى انسجام أيديولوجي وتاريخي عميق بين أطرافه، فإن هذا الاتفاق يجمع دولاً ذات مرجعيات سياسية ومذهبية متباينة، ما يجعله أقرب إلى “تحالف مصلحة مؤقت” منه إلى محور استراتيجي متماسك طويل الأمد.
استمرار الارتهان الأمريكي: تصريحات المسؤول التركي بأن الاتفاقية “لا تلغي أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية قائمة” مع دول أخرى تعني عملياً أن الرياض لا تزال مرتبطة بمظلة واشنطن، وأن هذا الاتفاق مجرد طبقة إضافية فوق بنية أمنية هشة أصلاً، لا بديل حقيقي عنها.
خامساً: أين الإيجابيات، ولو من زاوية موضوعية؟
بالإنصاف، لا يمكن إنكار أن الاتفاق يحمل بعض الدلالات التي تستحق الرصد: فهو يعكس محاولة جادة من دول إسلامية كبرى لبناء نوع من الاستقلالية النسبية عن الحسابات الغربية، وهو بهذا المعنى قد يُقرأ – إذا تطور لاحقاً بشكل حقيقي – كخطوة باتجاه تعددية أمنية إقليمية بعيداً عن الهيمنة الأحادية الأمريكية، وهو أمر تصب لصالحه إيران ذاتها من حيث المبدأ، كونها من أشد المطالبين تاريخياً بإخراج القوى الأجنبية من معادلة الأمن الإقليمي. لكن المفارقة أن هذا الاتفاق، في صيغته الحالية، لم يتحرر فعلياً من تلك التبعية، بل جاء كردّ فعل خوف لا كمشروع سيادي مستقل.
خلاصة
اتفاقية مكة، في جوهرها، أقرب إلى إعلان نوايا سياسي محمّل برمزية دينية وإسلامية أكثر منه آلية عسكرية قابلة للتفعيل الفوري والفعّال. وهي تعبّر، أكثر ما تعبّر، عن حالة القلق السعودي العميق من هشاشة معادلتها الأمنية التقليدية، أكثر مما تعبّر عن قوة ردع حقيقية قادرة على تغيير حسابات طهران.
إيران، من موقعها، لا تحتاج إلى الدخول في سباق تحالفات شكلية لإثبات حضورها الإقليمي؛ فنفوذها متجذر في شبكة علاقات وتحالفات بُنيت على مدى عقود من الصبر الاستراتيجي والتضحيات الميدانية، لا على توقيعات بروتوكولية في قمم عابرة. وكما عبّر المسؤول الإيراني بوضوح، فإن الأمن الحقيقي لا يُستجدى من الخارج، بل يُبنى من الداخل بقدرات ذاتية مستدامة – وهو بالضبط ما أكده وكيل وزارة الخارجية السعودية نفسه حين نفى أن يكون التوجه السعودي الأخير في اتفاقيات أخرى مرتبطاً بسباق تسلح، في اعتراف ضمني بأن حتى الرياض تدرك أن مسار “القدرات الذاتية” هو الأصح على المدى الطويل – وهو ذات المسار الذي اختارته طهران منذ سنوات طويلة وأثبتت جدواه رغم كل الحصار والضغوط.



