أين الادعاء العام؟ ومن يحاسب من ترك أموال العراقيين بلا استرداد؟!
هادي خيري الكريني ||
كاتب مختص بالاحصاء والمال والسياسة والاقتصاد 26/7/2026 الأحد

100 تريليون دينار في مهبّ الصمت! أين الادعاء العام؟ ومن يحاسب من ترك أموال العراقيين بلا استرداد؟
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
البقرة: 188
قرابة 100 تريليون دينار… أين ذهبت؟
أشارت تقارير رقابية وتصريحات نيابية حديثة إلى وجود قرابة 100 تريليون دينار عراقي من السلف والمبالغ التي لم تُسدَّد إلى الدولة، وهي أموال صرفت لجهات وشخصيات ومشاريع ومؤسسات مختلفة، بحسب ما أُعلن عن تقرير ديوان الرقابة المالية.
وهنا يحق لكل عراقي أن يسأل بصوت عالٍ:
أين ذهبت هذه الأموال؟ ومن المسؤول عن عدم استردادها؟ ولماذا بقيت هذه المبالغ سنوات طويلة من دون تسديد؟ ومن يتحمل مسؤولية التقصير إن ثبت أن هناك تقصيرًا أو تواطؤًا أو إهمالًا متعمدًا؟
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
النساء: 58
هذه ليست أموال أفراد، بل مال عام وحق للشعب العراقي، وكل دين مستحق للدولة لا يجوز أن يتحول إلى مال متروك أو حق منسي بسبب ضعف المتابعة أو نفوذ المدين أو تقصير الموظف المسؤول عن التحصيل.
هل تعرفون ماذا يعني 100 تريليون دينار؟
أتدرون، يا سادة يا كرام، ماذا يعني مبلغ بهذا الحجم؟
إنه مبلغ قادر على إحداث فارق هائل في حياة العراقيين، ويمكن أن يوجه ـ إذا استُردَّ وأُدير بطريقة صحيحة ـ إلى الإعمار والبنى التحتية والخدمات والصحة والتعليم والإسكان وغيرها من القطاعات التي يحتاجها العراق بشدة.
والأهم أن الرقم ليس مجرد رقم على الورق؛ فبحسب تصريح مالي منشور في عام 2026، تبلغ الرواتب الشهرية للموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية نحو 8 تريليونات دينار، أي أن 100 تريليون دينار تعادل تقريبًا 12.5 شهرًا من هذا الإنفاق الشهري.
فهل يعقل أن تبقى أموال بهذا الحجم عالقة من دون استرداد جاد وسريع؟
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
الشعراء: 183
هذا ليس مجرد دين… إذا ثبت التعمد فالقضية قد تتحول إلى مسؤولية قانونية
هنا يجب أن نكون واضحين: ليس كل دين غير مسدد فسادًا تلقائيًا؛ فقد يكون هناك مدين متعثر أو نزاع قانوني أو مشروع لم يكتمل أو سبب قانوني آخر.
لكن إذا كشفت التحقيقات أن أموال الدولة مُنحت خلافًا للقانون، أو أن مسؤولًا أو موظفًا استغل وظيفته أو سهّل الاستيلاء على المال العام، أو أن موظفين مكلفين بالتحصيل تعمدوا تعطيل الاسترداد أو التستر على المخالفات، فهنا لا يعود الأمر مجرد «دين»، وإنما قد يدخل في نطاق المسؤولية الجزائية أو الإدارية بحسب الوقائع والأدلة.
وقد عالج قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل جرائم الاعتداء على المال العام، ومنها الاختلاس في المادة 315، واستغلال الوظيفة والاستيلاء بغير حق على المال العام في المادة 316، والإضرار بسوء نية بمصلحة الجهة التي يعمل بها الموظف في المادة 318، والانتفاع من الأشغال والمقاولات التي له شأن فيها في المادة 319.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
البقرة: 60
السؤال الأكبر: أين كان المسؤولون عن التحصيل؟
كيف يمكن أن تتراكم مبالغ بهذا الحجم دون أن تكون هناك متابعة جدية لتحصيلها؟
وإذا ثبت أن بعض المسؤولين أو الموظفين كانت لديهم واجبات قانونية واضحة في متابعة الديون والسلف الحكومية، ثم امتنعوا عن اتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون، أو أهملوا أو تواطؤوا أو سهّلوا ضياع المال العام، فإن السؤال القانوني يجب أن ينتقل من:
«لماذا لم يسدد المدين؟»
إلى سؤال أكبر:
«ومن قصّر في استرداد المال العام؟ ومن سمح بتراكم الدين؟ ومن يتحمل المسؤولية عن كل دين كان بالإمكان تحصيله ولم يُحصَّل؟»
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾
النساء: 135
القانون موجود… فلماذا لا تُفعّل أدواته؟
قانون تحصيل الديون الحكومية رقم 56 لسنة 1977 المعدل ينطبق على مبالغ السلف التي تمنحها الدوائر الرسمية وشبه الرسمية، فضلًا عن أنواع أخرى من الأموال المستحقة للدولة، ويتضمن آليات لتحصيل المبالغ والفوائد والإضافات والغرامات. كما تنص تعليمات تنفيذية على إنذار المدين المتأخر بالتسديد خلال مدة محددة.
بل إن مجلس القضاء الأعلى أشار إلى أن المخولين بتطبيق قانون تحصيل الديون الحكومية يمكنهم الاستناد إلى قانون التنفيذ، وأن وزارة المالية طلبت ـ عند الخشية من هروب المدين ـ مطالبته بتقديم كفالة بالدين، وفي حالة عدم تقديمها يمكن اتخاذ إجراء منع السفر وفق السياق القانوني المعمول به.
إذن السؤال المشروع هو:
إذا كان القانون يملك أدوات للتحصيل، فلماذا لا تُستخدم بصورة حازمة وعادلة على الجميع؟
المدين مسؤول… لكن المسؤول عن تحصيل الدين مسؤول أيضًا
لا بد من التفريق بين أمرين:
الأول: مسؤولية المدين عن تسديد ما بذمته وفق العقد والقانون والحكم أو السند التنفيذي.
والثاني: مسؤولية الموظف أو المسؤول المكلف قانونًا بالتحصيل إذا ثبت أنه أهمل أو امتنع أو تواطأ أو أساء استعمال سلطته بما أدى إلى إضاعة أموال الدولة.
فليس من العدل أن يُلاحق المواطن البسيط إذا تأخر عن تسديد دين للدولة، بينما تبقى الديون الضخمة بلا إجراءات فعالة عندما يكون المدين صاحب نفوذ أو منصب.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
النحل: 90
وأين دور الادعاء العام؟
هنا نتوجه إلى رئاسة الادعاء العام بالسؤال:
هل ستُفتح ملفات هذه الديون، ويُبحث في كل حالة على حدة؟
هل ستُحدد أسماء المدينين والجهات التي منحتهم الأموال، ومواعيد الاستحقاق، والضمانات المقدمة، والإجراءات التي اتخذت لاسترداد الأموال؟
وهل سيجري التحقيق مع كل موظف أو مسؤول تثبت مسؤوليته عن تعطيل التحصيل أو التغاضي عن المخالفات أو التسبب في ضرر للمال العام؟
فـ قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 يجعل من أهداف الادعاء العام الحفاظ على أموال الدولة والقطاع العام، ويمنحه اختصاص إقامة الدعوى بالحق العام وقضايا الفساد المالي والإداري ومتابعتها، ومراقبة التحريات وجمع الأدلة، كما يتولى التحقيق في جرائم الفساد المالي والإداري والجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة وفق القانون.
كما أن القانون يلزم دوائر الدولة بإخبار الادعاء العام فورًا عند وقوع جناية أو جنحة تتعلق بالحق العام.
فإذا كانت التقارير الرقابية قد كشفت عن هذه المبالغ، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالتصريحات، وإنما تحويل الأرقام إلى ملفات، والملفات إلى تحقيقات، والتحقيقات إلى قرارات قضائية عادلة.
وديوان الرقابة المالية ليس جهة تنفيذية لتحصيل الديون
ومن الإنصاف أيضًا توضيح مسؤولية كل جهة.
ديوان الرقابة المالية الاتحادي وظيفته الأساسية التدقيق والرقابة وكشف المخالفات ورفع التقارير، وليس أن يحل محل الجهات التنفيذية أو القضائية في تحصيل الديون.
وقد أوضحت التصريحات المنشورة بشأن التقرير الأخير أن الديوان أدى دوره الرقابي من خلال إعداد التقارير، وأن استرداد الأموال يحتاج إلى تحرك الجهات المختصة.
لكن إذا أثبتت الرقابة وجود مخالفة مالية أو شبهة جريمة، فلا ينبغي أن ينتهي الأمر عند حدود التقرير.
التقرير الرقابي يجب أن يكون بداية للمحاسبة، لا نهاية للملف.
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾
الصافات: 24
هيئة النزاهة والقضاء… مسؤولية مشتركة في حدود الاختصاص
هيئة النزاهة الاتحادية تملك دورًا أساسيًا في مكافحة الفساد والتحقيق في قضاياه تحت إشراف قاضي التحقيق المختص، كما أن لديها اختصاصات مرتبطة باسترداد أموال الفساد في الداخل والخارج.
أما القضاء، فهو صاحب الكلمة الفصل في ثبوت الجريمة والإدانة والعقوبة والمصادرة وسائر الإجراءات التي يقررها القانون.
ولهذا فإن المطلوب هو تنسيق حقيقي بين ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة والادعاء العام والقضاء ووزارة المالية والجهات المصرفية والتنفيذية، كل جهة ضمن اختصاصها القانوني.
وماذا عن مديري المصارف والبنك المركزي؟
إذا كان الدين ناشئًا عن قروض أو تسهيلات مصرفية، فيجب التحقيق في ملف كل قرض على حدة:
من منح القرض؟
وفق أي ضوابط؟
ما الضمانات؟
من وافق؟
هل كانت الضمانات كافية؟
هل جرى اتخاذ الإجراءات القانونية عند التخلف عن السداد؟
هل تمت متابعة أموال المدين؟
هل توجد حالات إعفاء أو تسوية أو إعادة جدولة خلافًا للقانون؟
وهل ارتكب أي موظف أو مسؤول مصرفي مخالفة أو أهمل واجبه أو سهّل الإضرار بالمال العام؟
أما تحميل محافظ البنك المركزي ونوابه أو مديري المصارف جميعًا المسؤولية تلقائيًا لمجرد وجود ديون غير مسددة، فليس هو المعيار القانوني؛ فالمسؤولية يجب أن تُحدد وفق الاختصاص الفعلي والفعل أو الامتناع والضرر والقصد والأدلة.
وإذا ثبتت مسؤولية أي شخص، مهما كان منصبه، فيجب أن يخضع للقانون بلا استثناء.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
المائدة: 8
لا حصانة أمام المال العام
نحن لا نطالب بإدانة أحد قبل التحقيق، ولا نطالب بعقوبة شخص لمجرد أن اسمه ورد في تقرير.
لكننا نطالب بشيء واحد فقط:
أن يخضع الجميع للتحقيق إذا وجدت شبهة جدية، وأن يُسترد كل دين مستحق للدولة وفق القانون، وأن يُحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن ضياع المال العام أو تعطيل استرداده.
أما من تثبت إدانته باستغلال منصبه أو اختلاس المال العام أو الاستيلاء عليه أو تسهيل ذلك للغير، فإن قانون العقوبات العراقي يتضمن نصوصًا صريحة لمعاقبة هذه الأفعال، فضلًا عن الآليات القانونية المتعلقة بالحجز والمصادرة واسترداد الأموال في الحالات التي يقررها القانون.
هل نحتاج إلى «رؤوس كبيرة» أم إلى تطبيق القانون؟
المطلوب ليس تصفية حسابات سياسية، ولا التشهير بأشخاص لم تثبت إدانتهم.
المطلوب أن تبدأ الجهات المختصة من أول دين وآخر دين، وأن تُعلن للشعب:
من هو المدين؟
كم استدان؟
متى استحق الدين؟
ما الضمانات؟
كم سُدد؟
كم بقي؟
ما الإجراءات التي اتخذتها الجهة الدائنة؟
من الموظف أو المسؤول المكلف بالتحصيل؟
هل أدى واجبه أم لا؟
وإذا كان هناك تقصير، فما سببه ومن المسؤول عنه؟
عندها فقط نعرف أين ذهب المال، ومن قصّر، ومن أجرم، ومن يجب أن يدفع، ومن يجب أن يحاسب.
نداء إلى الادعاء العام
يا رئاسة الادعاء العام…
هذه أموال العراقيين.
لا نريد أن يبقى تقرير ديوان الرقابة المالية حبرًا على ورق، ولا نريد أن تتحول أرقام بمئات التريليونات إلى ملفات مؤجلة لسنوات.
نريد تحقيقًا شاملًا وشفافًا وقانونيًا في جميع السلف والديون التي لم تُسدَّد، وتحديد المسؤوليات بدقة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من تثبت مسؤوليته، سواء كان مدينًا أو موظفًا أو مسؤولًا أو مديرًا أو صاحب قرار، دون استثناء بسبب المنصب أو النفوذ.
وإذا اقتضى القانون اتخاذ إجراءات تحفظية بحق متهم لمنع هروبه أو تهريب أمواله أو العبث بالأدلة، فلتُتخذ بقرار قضائي ووفق الضوابط القانونية، لا بقرار سياسي أو إعلامي.
وإذا ثبت أن أموالًا عامة قد اختُلست أو استُولي عليها أو أُهدرت نتيجة جريمة، فلتُلاحق الأموال والأصول وفق القانون، ولتُسترد إلى خزينة الدولة.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الوعود… العراق يحتاج إلى استرداد أمواله.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾
الأنفال: 58
100 تريليون دينار ليست مجرد أرقام… إنها حق شعب
مئة تريليون دينار ليست أرقامًا في تقرير رقابي.
إنها مدارس يمكن أن تُبنى، ومستشفيات يمكن أن تُجهز، وطرق يمكن أن تُعبد، ومشاريع يمكن أن تُنجز، وخدمات يمكن أن تتحسن، وفرص عمل يمكن أن تُخلق.
فإذا كانت هذه الأموال مستحقة للدولة فعلًا، فمن حق الشعب أن يسأل: لماذا لم تُسترد؟
وإذا كان هناك تقصير، فمن حق الشعب أن يعرف:
من قصّر؟
وإذا كان هناك فساد، فمن حق الشعب أن يعرف:
من أفسد؟
وإذا كانت هناك أموال عامة ضاعت نتيجة جريمة، فمن حق الشعب أن يطالب:
أين المال؟ ومن المسؤول عن إعادته؟
﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
القصص: 77
المطلوب اليوم ليس معجزة… المطلوب تطبيق القانون.
فهل يبدأ الادعاء العام من ملف الـ100 تريليون؟



