الأحد - 26 يوليو 2026

الخطة التجريبية الأمريكية في جنوب لبنان: إدارة إنسحاب أم هندسة إحتلال ناعم؟!

منذ 8 ساعات
الأحد - 26 يوليو 2026

غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.

 

 

 

▪️ التمهيد : من وقف إطلاق النار إلى إدارة الفراغ.

بعد عامين من القتال المدمر في جنوب لبنان، لم تعد واشنطن تكتفي بشعارات “تطبيق القرار 1701” أنتقلت إلى خطة عملية ميدانية اسمها ”المناطق التجريبية“
الفكرة ظاهرياً بسيطة، إنسحاب إسرائيلي تدريجي، مقابل إنتشار الجيش اللبناني، لكن خلف هذه البساطة تكمن محاولة أمريكية لإعادة هندسة أمن الجنوب اللبناني بالكامل دون أن تدفع واشنطن كلفة باهضة.

وقد بدأ تنفيذها فعلياً في تموز 2026، في ثلاث قرى حدودية، هي ”فرون وصريفا وزوطر الغربية“ لتصبح أول إختبار حقيقي لشكل ما بعد الحرب على حزب اللبناني.

▪️ جوهر الخطة : المبادلة الأمنية المقننة.

تقوم الخطة الأمريكية على معادلة أمنية جديدة لم تكن مطروحة من قبل، وهي أن السيادة اللبنانية لا تستعاد دفعة واحدة بل على شكل دفعات متعددة في مدد زمنية مختلفة، فختار ثالوث ”واشنطن وتل أبيب وبيروت“ منطقة جغرافية صغيرة ومدمرة بالكامل ولا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات، لتنسحب إسرائيل منها بشكل رمزي، وتسلم أحداثياتها لغرفة تنسيق ثلاثية، تضم عسكريين أمريكيين ولبنانيين وإسرائيليين، ويدخل الجيش اللبناني فوراً ليقوم بتمشيط المنطقة ومصادرة أي سلاح فيها، فإذا مرت مدة معينة، دون أن يتم أختراقها يتم الإنتقال إلى منطقة جديدة، وهكذا.

الهدف ليس احتلالاً بل خلق ”معادلة الأمر الواقع” المتدرج والذي يصعب التراجع عنه.

▪️ الهدف الاستراتيجي للخطة : تفكيك حزب الله تدريجياً

تريد واشنطن تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة من هذه الخطة..

•  الأول : هو إختبار قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها في مناطق كانت لعقود تحت سيطرة حزب الله.

* الثاني : هو حماية أمن شمال تل أبيب وتسهيل تنقل القوات الإسرائيلية في هذه الرقعة الجغرافية.

* الثالث : وهو الأهم دفع حزب الله إلى خيارين أحلاهما مر، إما الانسحاب الطوعي جنوب الليطاني وتسليم ملف السلاح، أو تحمل مسؤولية تفجير الوضع الداخلي اللبناني.

أمريكا لا تريد حرباً جديدة مع حزب الله، بل تريده أن ينهار سياسياً وعسكرياً تحت ذريعة إستعادة سيادة الدولة اللبنانية.

▪️ أدوات التنفيذ: الجيش اللبناني كواجهة والدعم الدولي كغطاء.

واشنطن لا تفكر إرسال قواتها إلى الجنوب اللبناني، ودورها محصور في التمويل والتنسيق والضغط السياسي، مع  وضع الرهان كله على الجيش اللبناني الذي وصفه الرئيس عون في واشنطن بأنه ”العمود الفقري للإستقرار” وفي المقابل تسعى فرنسا إلى بلورة قوة دولية جديدة أخف من اليونيفيل، تكون جاهزة مع نهاية ولايتها في نهاية 2026، علماً  بأن مهمة هذه القوة للمراقبة وتوثيق، وبذلك تصبح صورة الجنوب عبارة عن جيش لبناني في الأمام، وغطاء دولي في الخلف، وضغط أمريكي على الطاولة، وإنسحاب إسرائيلي رمزي.

▪️ نقاط الأشتباك : أين يمكن أن تنفجر الخطة.

رغم هدوئها الظاهري تحمل الخطة بذور ثلاث أزمات رئيسية ومنها..

•  الأزمة الأولى : ميدانية وتمثلت بإطلاق الجيش الإسرائيلي رصاصاً تحذيرياً على وحدات الجيش اللبناني في أول أيام التنفيذ بذريعة تجاوز المنطقة المتفق عليها.

* الأزمة الثانية : سياسية وتتمثل بموقف حزب الله، الذي قرأ الخطة قراءة صحيحة وفككها على أنها محاولة لنزع سلاحه بالتقسيط، وتسليم الجنوب للإدارة الأمريكية والإسرائيلية عبر بوابة الجيش اللبناني.

* الأزمة الثالثة : إنسانية إذ أن عشرات القرى تحولت إلى ركام بلا بنية تحتية، ولا ماء ولا كهرباء، مما يجعل عودة النازحين إليها شبه مستحيلة، فتتحول “المناطق التجريبية” إلى مناطق أشباح.

▪️ السيناريوهات: من النجاح الهش إلى الانفجار الشامل.

هناك ثلاثة مسارات محتملة لنجاح أو فشل الخطة ومنها..

•  المسار الأول : هو نجاح جزئي هش، حيث تنجح الخطة في 4 أو 5 مناطق، لكنها تتعثر عند الوصول إلى القرى ذات الثقل الشعبي الكبير لحزب الله.

•  المسار الثاني : هو الفشل الميداني حيث يرفض حزب الله تسليم المناطق التي يسيطر عليها لأي جهة كانت داخليه أو خارجية، فتفشل الخطة بالكامل.

* المسار الثالث : هو التدويل حيث يفشل الجيش اللبناني في المهمة فتتحول ”المناطق التجريبية“ إلى مبرر لبقاء إسرائيلي أطول، والدفع بأتجاه القوات الدولية ذات الصلاحيات الواسعة تحت بند الفصل السابع.

▪️ الخاتمة: معركة السيادة بالإدارة لا بالرصاص.

الخطة التجريبية الأمريكية ليست غزواً ولا احتلالاً متعدد الجنسيات، هي أسلوب جديد في إدارة الصراع يقوم على الاستنزاف الإداري لحزب الله بعد أن عجزوا على أسقاطة بالحروب، وستحاول واشنطن تفكيكة بالروتين الناعم ”منطقة بعد أخرى وقرار بعد أخر“ حتى يصبح وجوده العسكري في الجنوب غير مبرر، وفشلها يعتمد بالدرجة الأهم على صمود حزب الله، وإدراك قيادتة السياسية والعسكرية للمخططات الدولية والداخلية التي تحاك ضدهم.

وبكيف الله.