الأحد - 26 يوليو 2026
الأحد - 26 يوليو 2026

المهندس مهدي الزبيدي ||

 

 

 

تمثل فلسطين قلب الأمة العربية والإسلامية، وتحتضن المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولذلك لم تكن يومًا قضية حدود أو نزاع سياسي فحسب، بل كانت وما تزال قضية عقيدة وهوية وكرامة، والميزان الذي تُقاس به مواقف الأمم وصدق مبادئها.

وبعد الحرب العالمية الأولى خضعت فلسطين للانتداب البريطاني، الذي وفر البيئة السياسية والقانونية للمشروع الصهيوني، حتى انتهى الأمر بقيام مايسمى بدولة إسرائيل عام 1948 على أرض فلسطين، وما رافق ذلك من تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، وارتكاب المجازر، والاستيلاء على الأراضي، لتبدأ منذ ذلك الحين مأساة مستمرة لم تتوقف، وتدخل المنطقة في دوامة من الحروب والأزمات والصراعات.

ومنذ ذلك التاريخ، عملت القوى الاستعمارية الكبرى على ترسيخ نفوذها في الشرق الأوسط، بوصفه من أكثر مناطق العالم أهميةً من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية، وسعت إلى إبقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار بما يحفظ مصالحها ويضمن تفوق إسرائيل واستمرار هيمنتها.

ومع مرور العقود، بدأت البوصلة العربية الرسمية تنحرف عن فلسطين، فلم تعد القضية المركزية التي تُبنى عليها السياسات، بل تحولت لدى عدد من الأنظمة إلى ملف يخضع لحسابات التحالفات والمصالح. وانتقلت بعض هذه الأنظمة من مرحلة المقاطعة والصراع مع الاحتلال إلى مرحلة التطبيع، ثم إلى بناء علاقات سياسية واقتصادية وأمنية معه، في تحول غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى تضييق الخناق على حركات المقاومة التي جعلت من تحرير فلسطين هدفًا لها، ومحاصرتها سياسيًا وإعلاميًا وأمنيًا، بينما واصل الاحتلال توسعه الاستيطاني، وشن حروبه على الشعب الفلسطيني، وارتكاب المجازر والحصار والتجويع، وسط عجز عربي رسمي غير مسبوق.

ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله عليه، شهدت القضية الفلسطينية تحولًا مهمًا في خارطة الاهتمام الإقليمي؛ إذ أعلنت الجمهورية الإسلامية أن فلسطين هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، وجعلت دعمها جزءًا ثابتًا من سياستها الخارجية، متحملةً في سبيل ذلك عقوبات وضغوطًا وصراعات امتدت لعقود ولغاية الان.

أن من أبرز ثمار هذا النهج ولادة حركات مقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن، أسهمت في تعطيل كثير من المشاريع التي كانت تستهدف إعادة رسم خريطة المنطقة وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، وأوجدت معادلات ردع جديدة حالت دون فرض الوقائع التي كان يراد لها أن تصبح أمرًا واقعًا.

ومع احتدام المواجهة الإقليمية، وانكشاف طبيعة الصراع بصورة أوضح، برز تباين كبير في المواقف. ففي الوقت الذي تؤكد فيه إيران استمرارها في دعم القضية الفلسطينية ومحور المقاومة، اتجهت بعض الحكومات العربية إلى تعزيز تعاونها الأمني والسياسي والاقتصادي مع الولايات المتحدة وشركائها، منسجمًا مع الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وهو ما عمّق الشعور لدى أبناء الأمة بأن البوصلة الرسمية قد ابتعدت عن فلسطين، بينما انشغلت بمواجهة القوى التي تعلن دعمها لها، واعطاء القواعد والتواجد العسكري لقوى الاحتلال والهيمنة لمهاجمة ايران في الصراع الحالي.

وهكذا أصبح المشهد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ فبينما لا يزال الشعب الفلسطيني يواجه الاحتلال، وتواصل المقاومة الدفاع عن أرضه وحقوقه، تتسع الهوة بين المواقف الرسمية للحكومات العربية وبين تطلعات شعوبها التي ما زالت ترى في فلسطين قضيتها الأولى. لقد أثبتت الأحداث أن الشعوب لم تتخل عن فلسطين، وإنما الذي تبدل هو مواقف الحكومات العربية التي تخلت عن قضية فلسطين.

إن مستقبل المنطقة لن تصنعه التحالفات المؤقتة ولا الاصطفافات المشبوهه، وإنما تصنعه الإرادة الحرة للشعوب، واستقلال القرار الوطني، والتمسك بالحق والعدل، ورفض الاحتلال والهيمنة الأجنبية بكل أشكالها. فالقضية الفلسطينية ستبقى معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا، وسيظل الموقف منها شاهدًا على صدق المبادئ أو زيفها.

إن ضياع البوصلة لا يبدأ عندما تُنسى فلسطين، بل عندما يتحول الاحتلال من عدو إلى شريك، والمقاومة من شرف إلى تهمة، ويصبح الخلاف مع من يرفع راية فلسطين أشد من الخلاف مع من يحتلها. وعندها لا تكون فلسطين هي التي فقدت مكانتها، وإنما تكون الأمة قد فقدت بوصلتها.

قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82].