حين تعجز الأجندات عن حجب ضوء ملايين المشيعين (سيداو وقناة الفلوجة) مثالٌ واضح..!
ضياء ابو معارج الدراجي||
يُحكى أن حكيماً كان يسير مع طالبه، فمرّا بقرية، وسألا عابراً عن حال أهلها، فقال: إنهم قوم بخلاء قساة. ثم مرّا بآخر فقال: إنهم قوم كرامٌ ذوو مودة. حين تعجب الطالب من تباين الرأيين، قال له الحكيم: يا بني، إن الإناء لا ينضح إلا بما فيه، فمن ملأ قلبه بالسوء لا يرى في الناس إلا قبحاً، ومن ملأ قلبه بالخير لا يرى فيهم إلا أهلاً.
هذه الحكمة التراثية هي اليوم الميزان الحقيقي لقراءة المشهد العراقي، وتحديداً في ردود الأفعال المتباينة التي رافقت التشييع المليوني للفقيد المستطاب في الجمهورية الاسلامية والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة. ففي الوقت الذي رسم فيه العراقيون والايرانيون والمحبون لوحة وفاء تاريخية، خرجت علينا شخصية تُعرف بـ(سيداو) بملابس الغجر لخداع الغافلين،
والتي لا تشبه أصالة العراق، لتصف الدولة العراقية بالساقطة بسبب رفع أعلام الفصائل العراقية المقاومة والجمهورية الإسلامية والعراقية أثناء تشييع السيد المستطاب في العراق او الجمهورية الاسلامية. إن هذا الخطاب، بلهجته القاسية وتوصيفاته المبتذلة، لم يكن يوماً تحليلاً سياسياً ناضجاً، بل كان نضحاً لما في إناء صاحبته من أحقاد وأجندات ممولة من جهات صهيوأمريكية تسعى لتسقيط مشروع المقاومة العراقية الذي دحر داعش.
لقد كان مشهد التشييع صاعقاً بكل المقاييس، فقد شهدت الجمهورية الإسلامية توديعاً مهيباً تجاوز فيه عدد المشيعين الـ30 مليوناً، بينما رسم العراق لوحة وفاء فريدة تجاوز فيها الحضور الـ10 ملايين مشيع. إن هذا الرقم الفلكي، الذي يُعد التجمع البشري الأكبر في التاريخ، لم يكن مجرد تشييع جنازة، بل كان رسالة سياسية وعقائدية زلزلت أركان الغرف المظلمة.
لقد أرعب هذا الطوفان البشري كل أعداء الوحدة الإسلامية، وأصاب مخططات مشروع أيلب والديانة الإبراهيمية بالشلل؛ فبينما كان الرهان على عزل العراق عن عمقه الاستراتيجي، جاءت هذه الملايين لتؤكد الوحدة الراسخة بين أتباع المذهب الشيعي، ولتجد صدىً مباركاً ووقفةً مشرفةً من الشرفاء من أبناء المذهب السني الذين رأوا في هذا الحدث انتصاراً للقيم الإنسانية والإسلامية ضد طغيان الصهيوأمريكية.
إن محاولة سيداو في قناة الفلوجة لتشويه الحدث من خلال استنكار رفع الأعلام هي مغالطة مكشوفة؛ ففي أمريكا التي ترعى هذه الأبواق تُرفع أعلام 62 دولة مشاركة في مباريات كأس العالم لكرة القدم، ولا تُوصف الدولة بالساقطة، بل بالفخر! فلماذا يضيق صدر سيداو وغيرها عندما تُرفع الأعلام العراقية والأجنبية والعقائدية كلوحة وفاء لمرجع فقيه استُشهد غدراً وهو صائم في شهر رمضان؟
إن ما قامت به هذه الشخصية، وبإيعاز من مموليها، يتجاوز حرية التعبير ليصل إلى حد الإساءة إلى سيادة الدولة وتحقير رموزها وتضحيات أبنائها. لذا، فإننا نضع هذا الأمر أمام هيئة الإعلام العراقية، ليس من باب تكميم الأفواه، بل من باب حماية الوعي الوطني من النضح المسموم الذي يسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.
ختاماً، سيظل التاريخ شاهداً على أن التشييع المليوني كان حدثاً إسلامياً وأممياً بامتياز، وسيبقى أصحاب الأصوات النشاز يكشفون عن حقيقة ما يحملونه في أوانيهم. فمن كان إناؤه ممتلئاً بالتبعية للأجندات الخارجية، سيبقى يرى السقوط في كل ما يمت إلى الأمة بصلة، أما الأحرار، فسيظلون يرون في كل راية ارتفعت في ذلك التشييع خيطاً من خيوط العزة والكرامة.
ضياء أبو معارج الدراجي




