الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

هادي خيري الكريني/  كاتب مختص بالاحصاء والمال والسياسة والاقتصاد ||
23/6/2026 الثلاثاء

 

 

أصبح من حقّنا أن نتساءل: هل ما يجري مجرد صدفة، أم أنه نهجٌ ممنهج لتكميم الأفواه وإقصاء كل صوتٍ يقول كلمة حق من المكوّن الأكبر أو يدافع عن قضاياه، حتى وإن كان المتحدث من المكوّنات الأخرى؟

ماذا يعني أن يُمنع بعض الكتّاب والمحللين من الظهور الإعلامي لمجرد أنهم عبّروا عن رأيهم أو طرحوا وجهة نظر تختلف مع السائد؟ وكيف أصبحت كلمة الحق تُصنَّف على أنها تحريض على الفتنة والطائفية؟

اليوم، قد يُنظر إلى مجرد إبداء موقف مؤيد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو الدفاع عن حق طرفٍ ما في عرض وجهة نظره، على أنه تحريض على الفتنة وتهديد للسلم الأهلي. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل أصبحت المعايير واحدة على الجميع، أم أنها تُطبَّق بصورة انتقائية؟

أتذكر ما كتبه في زمن النظام السابق الكاتب عبد الحميد العلوجي في صحيفة الجمهورية، حين تناول المذهب الجعفري ومعتقدات أتباع أهل البيت عليهم السلام بأسلوبٍ حمل الكثير من الانتقاد والقدح. فقد ذكر، فيما معناه، أنه يتعجب من الفرس لأنهم يقدسون من بنات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السيدة فاطمة الزهراء فقط ويعتبرونها معصومة، ويقدسون من الصحابة الإمام علي بن أبي طالب فقط ويعتبرونه معصومًا، ويقدسون من أولاده الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام ويعتبرونهما معصومين دون بقية أولاده، ثم يستمر في تعداد الأئمة من ذرية الإمام الحسين عليه السلام وصولًا إلى الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف، ليختم حديثه بعبارات تتهم الشيعة بالطائفية وتصفهم بأوصاف جارحة.

والحقيقة أن مثل هذا الطرح لا يقتصر أثره على فئة محددة، بل يطال شريحة واسعة من أبناء الشعب العراقي الذين ينتمون إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام. ومع ذلك، كان يُنشر ويُتداول دون أن يُنظر إليه بوصفه تحريضًا على الفتنة أو تهديدًا للسلم المجتمعي.

أما اليوم، فيرى كثيرون أن المشهد أصبح معكوسًا؛ فبإمكان البعض أن يتحدثوا عن “الفرس” و”المجوس” و”الروافض” وأن يوجّهوا الاتهامات والشتائم كما يشاؤون، لكن إذا ذُكرت كلمة إنصاف بحق هذا المكوّن أو دافع أحد عن معتقداته أو قضاياه، فإن الاتهامات بالتحريض والطائفية سرعان ما تكون حاضرة.

وهذا ليس، في نظر أصحابه، مجرد ادعاء أو شعور شخصي، بل يستندون إلى حالات متعددة لمحللين وكتّاب وإعلاميين مُنعوا من الظهور أو تعرضوا للمساءلة بسبب آرائهم، ومن بينهم كامل الكناني وعماد المسافر ومنى سامي وعصام حسين وأحمد عبد السادة وغيرهم، في حين لا يواجه آخرون ممن يطرحون آراءً حادة أو مسيئة للمذهب نفسه الإجراءات ذاتها.

إن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما تكون المعايير واحدة على الجميع، وعندما يُصان حق التعبير ضمن حدود القانون والاحترام المتبادل، بعيدًا عن الانتقائية والكيل بمكيالين. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152]، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135].

وفي خضم هذا الجدل، لا يملك الإنسان إلا أن يرفع شكواه إلى الله سبحانه وتعالى، فهو خير من يُلجأ إليه عند الشعور بالظلم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
اللهم لك المشتكى، وعليك المعوّل، وأنت المستعان على ما نرى من تناقضات وممارسات أضرت بالمجتمع وأشغلته عن قضاياه الحقيقية.