اليمن: هل كنا أغنياء؟!
محمود المغربي ||

بالنسبة للفقر والجوع، أشهد الله أنهما وصلا إلى كل بيت، ولم يعد هناك طبقة متوسطة الحال، بل إن أغلب هذه الطبقة أصبحت من الطبقة الفقيرة، والقليل منهم صعدوا إلى طبقة الأغنياء الذين لا يتجاوز عددهم 10%، والباقي فقراء، والشاطر منهم يستطيع توفير وجبة طعام واحدة في اليوم.
لكن هل الفقر والجوع جديدان علينا؟ وهل جاء بهما الأنصار من صعدة؟ وهل كنا قبل مجيء الأنصار نعيش في ترف؟ هل كنا أغنياء؟!
بالطبع لا، نحن أبناء الشعب اليمني، منذ أن خلقنا الله ونحن في فقر وجوع وبطالة وكفاح ومعاناة وطوابير. وأذكر في التسعينات (1991 و1992 إلى 1994 و1998) كنا نعيش في فقر وجوع وأزمات لا تنتهي، كنا في طوابير طويلة للحصول على أسطوانة غاز أو دبة بترول، وارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي من 14 ريالاً للدولار الواحد إلى 220 ريالاً للدولار. تخيلوا أن الارتفاع في أسعار الصرف بلغ ما يفوق 2000% بسبب حرب 1994 التي لم تدم طويلاً، حاولي شهر، وكانت حرباً داخلية محصورة في المنطقة الفاصلة بين عدن وتعز، ولم تشعر بها أغلب محافظات الجمهورية. أطلق الانفصاليون عدة صواريخ على تعز وصنعاء، ولم تتسبب بأي خسائر.
الآن نحن في حرب أهلية منذ 2011، وعدوان خارجي وداخلي استمر 8 سنوات، وحصار وحرب اقتصادية على أعلى المستويات، وكل ذلك كان له تداعيات خطيرة على بلادنا وعلى الاقتصاد والوضع المعيشي. أضف إلى ذلك وجود انقسام وعدة سلطات، وفساد منظم وممنهج، وفاشلين في مواقع المسؤولية واتخاذ القرارات، وتلك التداعيات والآثار مستمرة وتكبر وتزداد، سواء في ظل غياب رؤية ومشاريع وطنية وكفاءات مؤهلة، أو بوجود مشاريع ضيقة وتدخلات خارجية وانعدام للموارد المالية.
تخيلوا أننا نعيش منذ سنوات دون وجود ناتج محلي أو موازنة عامة للدولة ودون رواتب ، لا في صنعاء ولا في عدن، والثروات السيادية للدولة معطلة ومنهوبة. مبيعات النفط والغاز متوقفة، وكانت تشكل 80% من الناتج القومي والموازنة العامة للدولة والمصدر الأول للعملة الصعبة. والمصدر الآخر للعملة الصعبة، والمتمثل في تحويلات المغتربين، انخفض إلى الربع بعد أن تم التضييق على المغتربين اليمنيين في السعودية، وحتى في أمريكا بسبب العقوبات، وبسبب قيام النظام السعودي بفتح باب الاستثمار. فبدلاً من أن يرسل المغترب اليمني في السعودية الراتب إلى أهله في اليمن، أصبح يطلب من والده بيع البيت والأرض وإرسال الأموال إلى السعودية ليستثمرها، دون عائد يذكر، كلها استثمارات فاشلة لا تعود على المستثمر الأجنبي بفائدة بسبب القوانين السعودية التي تستولي على كل مكاسب المستثمرين. والأسوأ من ذلك أن شرعية الفنادق بكافة أفرادها من قيادات ومسؤولين وناشطين وأسرهم يعيشون في الخارج، وقد نقلوا كافة أموالهم وممتلكاتهم إلى الخارج، كما أنهم يستلمون رواتب من خزانة الدولة، ويتم تحويل تلك الرواتب إلى الخارج بالدولار، وكل شهر يتم جمع ما في البلاد من دولارات وعملة صعبة وتحويلها إلى أولئك الخونة والمرتزقة والفاشلين والفاسدين، وهذا يدمر الاقتصاد. تخيلوا أن دولة مثل أمريكا قامت مؤخراً بتقليص بعثاتها الدبلوماسية في الخارج لتوفير النفقات، ونحن الدولة بأكملها، من الرئيس إلى أصغر ناشط، مغتربون في الخارج.
بالإضافة إلى السياسة الفاشلة للسلطات في بلادنا، التي تسد الأبواب أمام أي مساعدات خارجية وأي استثمارات، وتكرس الحصار والعزلة الدولية، وتقضي على فرص العمل المتاحة والقليلة من خلال الجبايات والمقاطعة، التي تسببت بإغلاق مؤسسات وشركات، وتسريح الآلاف من العاملين والموظفين. أضف إلى ذلك الركود السياسي والاقتصادي، سنوات ونحن في حالة من لا سلم ولا حرب.
ويمكن القول إننا نعيش معجزة، نظراً لكل الظروف القاهرة التي لو توفرت في بلد آخر، لكنا شهوداً على موت الآلاف من الناس جوعاً في ذلك البلد كل يوم. ومع ذلك، لا نزال في خير كثير، بسبب قوة وصلابة وعزيمة الإنسان اليمني الذي قهر الظروف وتحدى الصعاب، وبسبب تكافل أبناء الشعب اليمني مع بعضهم. أما السلطات الموجودة فلم تقدم شيئاً، ولم تخلق أي حلول، بل كانت جزءاً من المشكلة، وعاملاً للهدم والتدمير، وسبباً في زيادة المعاناة.
نعم، السلطة في صنعاء دافعت عن الوطن، وخاضت حروباً، وقدمت تضحيات في سبيل أمن واستقرار الوطن والمواطن، والوضع الاقتصادي في مناطق الأنصار أفضل من المناطق الأخرى، وهناك نوع من الاستقرار. وليس بيد السلطة الكثير لتعمله، نظراً لوجود الثروات والموارد المالية في المناطق الأخرى، ولكونها حكومة غير معترف بها دولياً، لكنها كانت تستطيع تغيير كل ذلك من خلال إجبار النظام السعودي على إنهاء العدوان والحرب الاقتصادية والحصار، ودفع الرواتب والتعويضات، لكنها لم تفعل منذ أربع سنوات. كما أنها لم تكن جادة في محاربة الفساد، ولم تكن موفقة في اختيار من هم في مواقع المسؤولية، وهذا يفقدها رصيدها السابق، ومحبة ودعم الشعب لها، مع الأسف الشديد.



