الاثنين - 22 يونيو 2026
منذ 13 ساعة
الاثنين - 22 يونيو 2026

زمزم العمران ||

 

 

 

قال تعالى في كتابه الكريم : ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

في الوقت الذي تكثر فيه الاسماء ويقل فيه الرجال ،ينهض أصحاب الرسالات الكبرى ليصنعوا من أعمارهم القصيرة تاريخاً لايشيخ ، ومن بين أولئك الخالدين الشهيد المجاهد محمد جميل حميد الفيلي الذي لم يكن مجرد شاب في هذه الدنيا ،بل قصة وفاء كُتبت بالحبر اولا ثم خُتمت بالدم الطاهر على ابواب الشهادة .

في العشرين من تشرين الأول عام 1987 أبصر النور الشهيد المجاهد محمد جميل حميد الفيلي في جانب الكرخ من بغداد ، ليبدأ رحلة استثنائية انتهت بالشهادة وبدأت بالخلود ،كان الابن الوحيد لأبويه وموضع امالهما واحلامهما ،إلا أن قلبه كان أكبر من أن ينشغل بنفسه فقط ،نشأ في بيت متواضع تشبع بقيم الايمان والكرامة،فحمل منذ صغره صفات النبل والشهامة وحب الناس،امتلك روحاً فنية مرهفة،

فدرس الفنون ونال شهادة الدبلوم ،وكان يرى الجمال في كل شيء إلا أن الأيام كانت تخبأ له طريقاً آخر ،طريقاً لاترسمه الالوان بل ترسمه التضحيات ، ومع دخول الاحتلال الامريكي إلى العراق ومارافقه من قتل ودمار وانتهاك لكرامة الإنسان،وجد محمد نفسه أمام مسؤولية أكبر من احلام الشباب ومشاريع المستقبل ، رأى وطنه ينزف ،وشاهد الخوف يطرق أبواب الأبرياء ،فقرر أن يتحول من متفرج على المأساة إلى رجل يصنع الموقف .

وفي عام 2005 التحق بصفوف المقاومة الإسلامية عصائب اهل الحق،فكان شجاعاً بصورة استثنائية لايعرف التردد طريقاً إلى قلبه ،تنقل بين الواجبات الأمنية والميدانية،وساهم في حماية الاحياء السكنية من السيارات المفخخة والانتحاريين ،واضعا روحه درعا لأبناء شعبه ،وفي الخامس من أيار عام 2007 جاء الموعد الذي طالما تمناه الصادقون ،عندما دنت المواجهة كان أول من نهض واول من أيقظ رفاقه واول من وصل الى ساحه القتال ،تقدم بثبات المؤمن ويقين المجاهد ،وواجه خصومه بكل ماامتلك من شجاعةوايمان ،قاتل حتى اللحظة الأخيرة رافضاً الاستسلام أو التراجع حتى ارتقى شهيداً وهو يحتضن سلاحه بعد أن سطر ملحمة من الثبات والبطولة .

وما اشبه الأقدار بالمعجزات حين تختار لحظاتها ، ففي اليوم نفسه الذي ارتقى فيه إلى ربه ، وصلت شهادة تخرجه إلى منزله وكأن الدنيا كانت تودعه بتكريمه الاخير ،قبل أن يتوج الله مسيرته بأعظم شهادة ينالها الإنسان ،فبينما كانوا الناس يحتفلون بشهادات الحياة كان محمد يتسلم شهادة الخلود ،رحل محمد شاباً ولم يترك خلفه أبناء يحملون اسمه لكنه ترك ماهو ابقى من الأسماء والإنساب ترك سيرة رجل صدق ماعاهد الله عليه،وترك ذكرى رجل بطل مازالت حاضرة في قلوب محبيه ورفاقه.

سلام على الفنان الذي استبدل لوحاته بساحات المواجهة، وعلى المجاهد الذي خط بدمه اجمل لوحه في تاريخ الرجال لوحة الوفاء والعقيدة والشهادة ،ذلك الفنان الذي لم يكتف برسم الجمال على الورق بل رسم بدمه الطاهر أعظم لوحة عرفتها ميادين التضحية،لوحة رجل صدق العهد فخلدته السماء ،قبل أن يخلده الناس .