سبايكر..!
ضياء ابو معارج الدراجي ||

لم تكن سبايكر مجرد حادثةٍ عابرة في تاريخنا، بل كانت اللحظة التي انكسر فيها قلب الوطن، والتاج الأشد حزناً ومرارةً على رؤوس مآسينا. لقد كان ما قبلها سلسلةً من الأوجاع الممتدة؛ حيث كان الموت يطاردنا في كل زاوية، وكانت أزقتنا تضج بصرخات الأمهات الثكالى، وأشلاء أطفالنا تُجمع في حسرةٍ بائسة، ودماء الأبرياء تجري في شوارعنا أنهاراً من الألم، وكأنهم أرادوا محو وجودنا من خارطة الحياة.
ثم أقبلت تلك الفاجعة التي لا تزال تُبكي الحجر؛
حين سيق أكثر من 1700 شابٍ، كانوا كزهورٍ يانعة في ربيع العمر، كل همّهم أن يلمسوا أيدي أمهاتهم ويستنشقوا هواء بيوتهم الدافئ. خلعوا بزاتهم العسكرية، ظناً منهم أنهم يستنجدون بمروءةٍ ظنوا أنها باقية، فإذا بهم يقعون في قبضةِ وحوشٍ تجردت من كل ذرة إنسانية. يا للفجيعة!
لقد نُحرت الفروسية على ضفاف النهر، وضاعت صرخات الاستغاثة في مياهه التي ابتلعت أحلامهم، بينما لا تزال أجسادٌ أخرى تئن في مقابر جماعيةٍ منسية، تنتظر يوماً يروي فيه تراب الأرض حكايتهم الموجعة.
لقد كانت تلك اللحظة هي الوجع الأخير الذي استجمع كل آلام السنين في مشهدٍ واحدٍ يدمي العيون.
لكننا اليوم، رغم انكسار قلوبنا، نقف فوق ركام هذه المأساة، نحمل دموعنا سلاحاً وعزيمتنا درعاً؛ فدماء شهدائنا ليست مجرد ذكرى، بل هي نداءٌ أبديٌ في عروقنا.
لن تكسرنا تلك المجزرة، ولن تخمد فينا روح البقاء، فنحن باقون، نزرع الأمل في قلب الجرح، ونمضي نحو غدنا بلا خوفٍ ولا انكسار، ثابتون على أرضنا، موقنون بأن الحق الذي رويناه بدمائنا لن يضيع، وأننا سنظل الصرخة التي لا تموت في وجه كل غدرٍ أراد لنا الفناء.
ضياء ابو معارج الدراجي




