الرضى في القرآن والواقع.. بين رضا الله وسخط الطغاة..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وتحوّل فيه بعض الحُكام من أصحاب مواقف إلى باحثين عن القبول الخارجي،بينما لو عادوا الى القرآن الكريم لوجدوا فيه القاعدة الفاصلة والحقيقة الكبرى التي لا تتبدل مهما تغيّرت الوجوه والعصور، قال تعالى:
{وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡیَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَىِٕنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَاۤءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِی جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِیࣲّ وَلَا نَصِیرٍ}.
هذه الآية ليست مجرد حديث عن زمنٍ مضى، وإنما دستورٌ سياسي وفكري وثقافي للأمة يكشف طبيعة الصراع بين اليهود والنصارى.
فالمشكلة لم تكن يومًا في حدود خلاف سياسي أو نزاع مصالح، لكنها في محاولة إخضاع الأمة لتتبع نهجهم وهيمنتهم وثقافتهم وإرادتهم.
فالغرب الاستكباري، وعلى رأسه أمريكا،
لا يرضى عن أي شعبٍ حرّ ما دام متمسكًا بكرامته واستقلاله وقراره السيادي.
إنهم يريدون من الجميع أن يكونوا تابعين، منزوعي الإرادة والقرار والسلاح، خاضعين لشروط البيت الأبيض ومزاج ساكنيه.
ومن هنا نفهم تصريح ترامب حين قال: “الرد الإيراني لم يعجبني وهو غير مقبول إطلاقًا”.
إن منطق المستكبر ترامب يرى نفسه وصيًا على العالم، ويعتقد أن على الشعوب والدول أن تتصرف بما يرضيه، لا بما يحفظ قرارها وكرامتها وحقوقها.
بالتالي فإن الرد الإيراني جاء معبرًا عن وعيٍ عميق بحقيقة الصراع:
“لا أهمية لرد ما يسمى برئيس الولايات المتحدة، فلا أحد في إيران يضع خططًا لإرضاء ترامب”.
وهنا تتجلى المعادلة القرآنية بوضوح؛ فالقيادة الحرة لا تجعل رضا الطغاة غايتها، لأنها تدرك أن السير خلف أهوائهم لن ينتهي عند حدّ، وأن التنازل الأول يجرّ وراءه سلسلةً من الانكسارات والتبعية والذل.
إن أخطر ما يمكن أن تصاب به الأمة ليس الهزيمة العسكرية فقط، بل الهزيمة النفسية التي تجعلها تبحث عن رضا أعدائها ولو على حساب دينها وكرامتها وسيادتها.
فحين يصبح المقياس عند البعض: ماذا ستقول أمريكا؟ وكيف سيرضى الغرب؟ فإن الانحدار يكون قد بدأ بالفعل.
في المقابل، يربّي القرآن المؤمنين على أن يكون معيارهم هو رضا الله لا رضا المستكبرين.
لذلك قال تعالى:{قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰ}.
فالهداية ليست فيما تفرضه واشنطن، ولا فيما تمليه الصهيونية العالمية، ولا فيما تزينه أدوات الإعلام المأجور، لكن فيما يحفظ للأمة دينها وعزتها واستقلالها.
ومن أخطر صور الرضى التي حذّر منها القرآن، الرضى بالباطل والسكوت عن الظلم والتماهي مع المجرمين.
لهذا قال أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام”الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل إثمان:
إثم العمل به، وإثم الرضا به”.
فنحن رضينا بالرد الإيراني بينما العملاء
رضوا بالرفض الأمريكي، فليعلموا إن الرضى بالعدوان جريمة،والرضى بالتطبيع خيانة، والرضى بحصار الشعوب وتجويعها مشاركة في الإثم، حتى وإن لم يحمل الإنسان سلاحًا أو يشارك ميدانيًا.
فالمواقف ليست كلماتٍ عابرة،إنما هي مسؤولية أمام الله والتاريخ.
لهذا نرى اليوم شعوبًا حرة ترفض الانبطاح رغم الحصار والحروب، لأنها تعلم أن رضا الله أثمن من رضا البيت الأبيض، وأن الكرامة لا تُشترى بالمساعدات ولا تُقايض بالمواقف.
وقد كان الشهيد القائد رضوان الله عليه يؤكد دائمًا أن الأمة حين تتحرر من عقدة الخوف ومن وهم استرضاء أمريكا وإسرائيل، فإنها تستعيد قوتها الحقيقية.
والسيد القائد يحذر باستمرار من السقوط في مستنقع التبعية الفكرية والسياسية، لأن من يسير خلف العدو طلبًا لرضاه لن يحصد إلا الذلة والمهانة.
إن معركة الأمة اليوم ليست فقط معركة سلاح، بل معركة وعي وموقف وقيم.
فإما أن تكون الأمة مع هدى الله، أو خلف أهواء المستكبرين.
إما أن تطلب رضا الله، أو تركض خلف سراب رضا الطغاة الذي لا يُدرك أبدًا.
ختامًا: يبقى القرآن صادقًا في تشخيصه:
لن يرضى عنا أعداؤنا ما دمنا متمسكين بعزتنا وهويتنا وقرارنا، وهو الطريق الذي يرضي الله، لأن رضا الله هو العزة، وما عداه وهمٌ وزائل، والواقع خير شاهد.




