الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ 5 أشهر
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

عجيبٌ أمرُ الأبجدية العربية لماذا لا تصفُ شجاعة علي الأكبر بالحياة .. وإذا كانت اللغة تخجل من هذا الأمر ، فإن علي الأكبر أجبرها أن تجعل شجاعتهُ مرادفة لمفهوم الحياة بكل عنفونها .. لأن الشخص الشجاع هو الفريد القادر على تذوق معنى الحياة في الدنيا ليبعثها إلى الآخرة ، ليكون من الخالدين .

ولم يَحز علي الأكبر (ع) مَلَكَة الشجاعة لينفرد بها ، ولكن إنقادت باقي الفضائل الأخرى كالصدق والوفاء والقول الحَسِن ، إليه فخورة .
ولد (ع) في الحادي عشر من شهر شعبان المعظم عام 33 هـ وقيل 38 هـ .

وهو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) ، وكنيته أبو الحسن ، أمه ليلى بنت أبي عروة بن مسعود الثقفي ، وكان عروة بن مسعود احد السادة الأربعة في الإسلام ، ومن العظماء المعروفين وقيل انه مثل صاحب يس وأشبه الناس بعيسى بن مريم .
ولقد انحدر علي الأكبر (ع) ، من أعلى الشجرة الطيبة ، من فوق شموخها الأشم ، كواحدٍ ممن خضع للترشيح الإلهي .

ولد (ع) في بيت يتمتع بالحضور الكامل للإيمان والتقوى ، بيت رحب الفكر واسع المعرفة مزدحم بالصالحين والطاهرين والذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، الذين لا يفتأون يحرصون على صيانة مبادئ رسالتهم ، ويرفعون ألوية العقيدة عالياً .. بيت هو العقيدة بذاتها ، الأمر الذي يفسر دعوة الله للناس كي يحبوا ذلك البيت ويوادوه ، ويحاربوا من يكرهه ويعادوه .. بيت عامر بكل ما يمت للإسلام بصلة وللحق والحقائق بروابط وعلائق .

شبيه الرسول :
وما قولنا بأنه شبيه جده رسول الله (ص) مأخوذ من راوٍ أو مؤرخ أو شاهد عيان بسيط ومعاصر عادي ، وإنما هو مأخوذ عن شاهد دقيق النظر ، صادق صدوق ، فقد صرح بذلك والده الإمام الحسين (ع) ، وعنه روى الراوي وأرخ المؤرخ . سيما وأن الإمام أعرف الناس برسول الله ، وأكثرهم التصاقاً به وأشدهم تعلقاً به كما أنه ورث منه واكتسب عنه ، فلما ولد نجله علي الأكبر وشب يافعاً ، فقد أخذ يوحي بصورته وأخلاقه ومنطقه إلى الرسول ، فأضحى ذكراه وتذكاره حتى كان الناس ـ من أهل المدينة ـ يشتاقون لرؤياه ..

ثم ليس أكثر من أبيه الإمام الحسين حضوراً لملامح جده ومعالم تلك الشخصية العظيمة .. وعليه فان كلامه والذي يؤكد محاكاة علي للنبي وأنه أشبه الناس به خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، كلام بمستوى الحضور الحقيقي .

وكان علي الأكبر من أصبح الناس وجهاً ، وأحسنهم خلقاً حسبما اتفق المؤرخون فضلاً عن اتفاقهم وإجماعهم على مضمون تصريح أبيه الحسين من كونه مثيل الرسول من حيث الخلقة ، والأخلاق ، والنطق .

قال الامام الحسين (ع) لأصحابه : أثني على الله أحسن الثناء ، وأحمده على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين .

أما بعد : فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيراً .

هذه الكلمة تحمل في ثناياها معانٍ كبيرة ودلالات عظيمة ففيها أوسمة وسم بها أبو الأحرار (ع) تلك الثلة المؤمنة من أصحابه وأهل بيته ومنهم علي الأكبر (ع) .

فإذا تأملت جيداً في قوله (ع) (لا أعلم) تجد أنها تشير إلى أن هؤلاء الأصحاب وأهل بيته هم أفضل ما خلق الله من الأصحاب والاهل ، وذلك لأن علم الإمام المعصوم لا يختص بزمانه ولا بمكانه وإنما يشمل جميع الأزمنة والأمكنة التي خلقها الله تعالى .. وقد ورد ذلك في كثير من روايات أهل البيت (ع) نذكر منها روايتين .

الرواية الأولى : في الكافي … عن سيف التمار قال : كنا مع أبي عبد الله (ع) جماعة من الشيعة في الحجر فقال : علينا عين ؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحداً فقلنا : ليس علينا عين فقال : ورب الكعبة ورب البيّنة ـ ثلاث مرات ـ لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما ، لأن موسى والخضر (ع) أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول الله (ص) وراثة .

الرواية الثانية : في الكافي عن عدة من أصحابنا … سمعوا أبا عبد الله (ع) يقول : إني لأعلم ما في السموات والأرض وأعلم ما في الجنة واعلم ما في النار واعلم ما كان وما يكون … ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كَبُرَ على من سمعه منه فقال : علمت ذلك من كتاب الله عز وجل ، أن الله عز وجل يقول : (فيه تبيان كل شيء) .

فمن هاتين الروايتين نعرف أن مقولة الحسين (ع) يقصد فيها أن أصحابه وأهل بيته هم أفضل الأصحاب والأهل على وجه الأرض .

وظهرت صورة محبة الإمام الحسين (ع) لعلي الأكبر (ع) جليّة عندما استرجع الإمام الحسين (ع) وسأله الأكبر عن سبب استرجاعه لثلاث مرات ، فقال الحسين (ع) : خفقت برأسي خفقة ، فعنّ لي فارس يقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم , فعلمت أنها أنفسنا نُعيتْ إلينا .

قال الأكبر(ع) : يا أبتِ ألسنا على الحق ؟
فقال الحسين (ع) : بلى والذي إليه مرجع العباد .
قال علي الأكبر (ع) : إذن لا نبالي أن نموت محقّين .
فقال الحسين (ع) : جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده .
كان ومايزال وسيبقى عليّ الأكبر (ع) قدوةً لكلّ الشباب المؤمن من أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الدفاع عن الدين والمقدّسات والقيم والمبادئ وإعلاء كلمة الحقّ .

إن الصحبة الصالحة تجعلك تعيش حياتين : هنا في جنة الارض وهناك في جنة الآخرة .. فكيف إذا كانت الصحبة الصالحة وأهل بيت مؤمنة بالامامة والولاية كما أصحاب الحسين وأهل بيته ؟!

وسُئل  أحد العلماء : هل لعلي الأكبر (ع) أولاد أم لا فقال :
نعم ، وذلك استناداً إلى رواية عن الإمام الرضا (ع) تقول :
إن البزنطي قال له : بلغنا أن علي بن الحسين السجاد تزوج بنت الحسن بن علي (عليهما السلام) ، وأم ولد الحسن .
فقال (ع) : ليس هكذا إنما تزوج ابنة الحسن (عليه السلام) ، وأم ولد لعلي بن الحسين المقتول عندكم .
(الكافي ج 5 ص 361 وقرب الإسناد ص 370) .

وفي الزيارة المروية عن الإمام الصادق (ع) ، يقول فيها (ع) مخاطباً علياً الأكبر : «صلى الله عليك ، وعلى عترتك ، وأهل بيتك ، وآبائك وأبنائك ، وأمهاتك الأخيار» .

السَّلامُ عَلى الحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وَعَلى أَوْلادِ الحُسَيْنِ وَعَلى أَصْحابِ الحُسَيْنِ .