الخميس - 18 يونيو 2026

إلى بغداد: راتب المواطن الكردي ليس سلاحاً في خلافاتكم ..!

منذ 11 شهر
الخميس - 18 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

لا جريمة أشد وطأة من أن يُحرم الإنسان لقمة عيشه ظلماً، وهو عاجز عن فعل شيء ، تلك ليست مبالغة ، بل توصيف دقيق لما يعانيه مئات الآلاف من موظفي إقليم كردستان العراق ، الذين تحوّلت أرزاقهم إلى ضحية لصراع سياسي طويل بين بغداد وأربيل ، يدفعون ثمنه كل شهر من معيشتهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم .

لقد أفنى هؤلاء الموظفون سنوات أعمارهم في خدمة الدولة العراقية ولم يخطر ببالهم يوماً أن يتحول حقّهم المشروع إلى أداة أبتزاز ، وأن يجدوا أنفسهم عالقين في لعبة شدّ الحبل السياسي بين طرفين يتقاذفان المسؤولية ، فيما هم لا يملكون من الأمر شيئاً سوى الصبر على المذلة .

حين يتحول الراتب إلى ورقة ضغط سياسية .؟

منذ عام 2014 وحتى اليوم ، لم تعرف رواتب موظفي الإقليم أستقراراً ، إذ أصبحت أولى ضحايا أي أزمة نفطية ، أو مالية ، أو سياسية بين بغداد وأربيل ، نهاية كُل شهر باتت مناسبة لطرح السؤال المتكرر هل ستُصرف الرواتب .؟

وإن صُرفت ، فهل ستكون كاملة أم مجتزأة .؟
وإن كانت ناقصة ، فما نسبة الاقتطاع هذه المرة .؟

هذه ليست مجرد أسئلة تتعلق بأرقام في حساب مصرفي ، بل أسئلة تتعلق بمصير عائلات وأرواح تنهار بصمت ، خلف كل راتب مسلوب ، هناك عوائل تنحدر نحو الفقر ، وأطفال يفقدون الأمل ، وشباب يدفعهم اليأس إلى الهجرة ، بعدما ضاق بهم وطنهم الذي فشل في تأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة لهم .

ما يحدث اليوم ليس مجرد إهمال أو سوء إدارة ، بل إنتهاك واضح وصريح للدستور والإنسانية معاً .؟

فالدستور العراقي واضح وصريح في ضمان الحقوق المالية والمعيشية لكل المواطنين دون تمييز ، ومع ذلك صار هذا النص مجرد حبر على ورق أمام واقع مرير ، تُستباح فيه أبسط الحقوق ، ويُترك الناس نهباً للأزمات دون حلول .

الراتب حق دستوري عالق في دهاليز الخلاف السياسي .؟

حين نعود إلى نصوص الدستور نجد أن العيش الكريم حق مكفول لكل العراقيين ، وأن الدولة ملزمة بتوفير حياة كريمة لمواطنيها هذه ليست شعارات ، بل التزامات قانونية لا تقبل الجدل ، غير أن الواقع يقول شيئاً آخر ، موظفو الإقليم يُستخدمون كورقة ضغط في صراع سياسي لا يد لهم فيه ، يُعاقَبون جماعياً على ملفات النفط والميزانية ، رغم أنهم بعيدون عنها ولا يملكون التأثير فيها .

من يدفع الثمن .؟
ليس السياسي ، بل المعلم ، والطبيب ، وشرطي المرور ، والموظف البسيط ، الذين لا تعنيهم هذه الخلافات بشيء ، ولا يملكون إلا أنتظار قرارات تُصاغ خلف الكواليس بعيداً عن معاناتهم .

ما يحصل اليوم هو تسليم مصير الناس إلى منطق القوة لا إلى منطق القانون ، حقوق الموظف لم تعد تُحسب بالمواد الدستورية بل بمعادلات المصالح السياسية.

التبعات الاجتماعية والإنسانية أنهيار بصمت .؟

ما يجري في إقليم كردستان ليس أزمة مالية فحسب ، بل أزمة أخلاقية قبل كل شيء ، فآلاف العائلات الكردية باتت تعيش تحت خط الفقر بعدما كانت تنظر إلى الوظيفة الحكومية بأعتبارها ضماناً للاستقرار ، اليوم أصبحت الوظيفة عبئاً ، والقروض تتراكم ، والمدارس تعاني نقص التمويل ، والمستشفيات تفتقر إلى الأدوية ، والأطفال يكبرون بلا أفق واضح لمستقبلهم .

من يتحمل مسؤولية هذا الواقع ، بغداد ، قبل أي طرف آخر ، لأنها تمتلك مفاتيح الحل لكنها ما زالت تُدار بعقلية معاقبة قادة الإقليم سياسياً عبر معيشة الناس .
أي حديث عن دولة عادلة يفقد مصداقيته حين يُترك جزء من مواطني هذه الدولة لسنوات بلا رواتب منتظمةز، وبلا أمن اقتصادي ، وبلا أفق .

إلى متى يُستباح الموظف الكردي .؟

الأسئلة التي يطرحها الشارع الكردي اليوم موجعة في بساطتها :
لماذا يُربَط رزقنا بخلافات لا دخل لنا بها .؟
لماذا يتحول راتبنا إلى أداة ضغط بين المركز والإقليم .؟
أليس من حقنا أن نعيش بكرامة كما بقية العراقيين .؟
لماذا نُعاقَب على ملفات لا نعرف تفاصيلها .؟

هذه الأسئلة يجب أن تُطرح بقوة اليوم ، لا أن تُترك في دائرة الصمت المريب ، لأن السكوت عليها بات جريمة مضافة بحق شريحة منهكة تنزف بصمت منذ سنوات .

آن أوان الحلول لا المساومات .؟

إستمرار هذا الواقع المؤلم دون حلول حقيقية ينذر بكوارث اجتماعية وأقتصادية لن تقف عند حدود كردستان ، بل ستمتد إلى عموم العراق ، لا يمكن لدولة تحلم بالعدالة والتنمية أن تستثني جزءاً من مواطنيها من أبسط حقوقهم ولا يمكن لأي سلطة أن تتحدث عن الإصلاح ، فيما هناك موظف يُهان كُل شهر على أبواب المصارف ، وأسرة تُذل من أجل فتات راتبها .

العدالة تقتضي إخراج لقمة عيش المواطن من دهاليز السياسة ، والحكمة تفرض على بغداد أن ترفع الظلم عن الموظف الكردي ، لأن أستمرار هذا الوضع لن يدفع الناس إلى الاحتجاج فحسب ، بل إلى فقدان الإيمان بكل حديث عن وحدة العراق ومستقبله .
وقبل أن نعود لترديد المثل الشعبي :

“قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”، علينا أن نسأل بصدق كم من الأعناق ستنكسر ، وكم من الأرواح ستُرهق ، إذا أستمرت هذه اللعبة البعيده عن كُل جانب أنساني …!