الاثنين - 22 يونيو 2026

الله، يَشدّ أزر المؤمنين..!

منذ سنتين
الاثنين - 22 يونيو 2026

كوثر العزاوي ||

قال الله “عزوجل”:
{وَلا تَهِنُوا وَلاتَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّـهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١).. آل عمران.
بضع آيات من القرآن الكريم تضع إصبعها على الجروح لتكون بلسمًا شافيًا من الأوجاع التي تعتري الأمة الاسلامية، وكل مافي ثنايا كتاب الله دروس وعبر ودواء، عندما تعيش الأمة المأساة، مأساة الشهداء كالأقمار تتهاوى، كأسراب الحمائم تحلّق بجراحاتها لتهب الحياة لغيرها ثم تعرج جذلى الى ربها، أو مأساة الجرحى والأشلاء الموزعة على تراب المواجهة، فلا ترى سوى عيون وهبت النور فانطفأت، وكفوف رَفعت شارة العهد فبُترت، أقدام سابقت الرياح لتدرأ الخطر عن مقدساتها فقُطعت، جِباهٌ بمحيّا نورها المتلألئ خبت، لتبدو ملامحها كدُرّة صافية عبثت بها أياد وسخة لاتعي قيمتها فأحالتها رمادا !
أجل!!،فقد نرى العدو يستهتر ويوغل بفنون الغدر وأنواع الاستهداف وسط حالة من الوثوق بأنه الأقوى، وقد نسيَ أنّ القوة والعزة لله جميعا، وكل ذلك نراه بأمّ العين، أحبة عقِم الزمان أن يلدَ مثلهم، وبين الوجع والتأمّل، يأتي العزاء كما النسيم على طير محلّقٍ في آفاق الله فسقط في فلاة مقفرة، ليأتيهِ هاتف من بطنان العرش، وياله من عزاء{أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
فقد ذكر المفسّرون بإن هذه الآيات نزلت تسلية للمؤمنين لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وقيل: لما انهزم المسلمون في الشِّعب، وأقبل خالد بن الوليد بخَيلٍ من المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبيّ “صلى الله عليه وآله”: اللّهمّ لا يَعلُنَّ علينا، اللّهمّ لا قوّة لنا إلّا بك، اللّهمّ ليس يعبدك بهذه البلدة إلّا هؤلاء النفر، فأنزل الله تعالى الآية، فوثب نفرٌ رماة، فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتّى هزموهم، وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله تعالى: “وأنتم الأعلون” فهلّا رأيتم كيف يستثير الله في نفوس المؤمنين انطلاقة الإيمان ودلالاته في موقع المؤمن من الحياة، ليثبت أنه الأعلى بالمقياس الحقيقي للأشياء، وذلك لارتباطه الحقيقي بالله الذي يُشعره بالقوّة العليا، وأنه المنتصر في كل المواطن حتى في حال إصابة العدو منه مقتلا، وبذلك يتحوّل الإيمان إلى عنصر قوّةٍ يدفعه إلى الاستعلاء على كلّ عوامل الضعف والخوف والحزن، فلا يرى الموت إلا سعادة، وجراحات الجسد إلّا أوسمة تدعو إلى الإحساس بالقوّة والفرح الروحي والرضا بالتضحية في طريق الجهاد ضد الظلم والطغيان،
ولعلّ مانشاهده اليوم في رجال حزب الله ومن يدور في فلكهم وهم يُقتَّلون بدم بارد غيلة، بوسائل شيطانية قذرة جبانة، ليعرف كل العالم بأنّ الأمة التي لا تضحي في سبيل أهدافها المقدسة لا تعير تلك الأهداف أهميتها، ولا تعطيها قيمتها اللائقة، أما إذا ضحّت في سبيل أهدافها فإنها هي‌ وأجيالها القادمة ستعطي لتلك الأهداف الأهمية والقيمة اللازمة كما تعطي درسًا بأنّ الحوادث المرة خارج ميدان الحرب إنما هي ميدان آخر للتربية والإعداد وإن لبعض الهزائم والنكسات من الأثر في صياغة المجتمعات الإنسانية وتربيتها مايفوق أثر الانتصارات الظاهرية، ومن هنا جاء مضمون الآيات أعلاه ليوضح مراد الله تعالى لكلمة “إن كنتم مؤمنين” ومالها من مفاهيم وأحاسيس وإيحاءات تلفت أنظار المؤمنين الرساليين في أسلوب واقعيّ، إلى ضرورة أن يعيشوا قضيتهم الاسلامية في نطاق أسبابها الطبيعية، كما يحسن بهم أن لا يشعروا بالوهن أو يتملكهم الحزن لما حدث، فالرجال الواعون بفئآته هم الذين يستوحوا الدروس من الهزائم كما يستوحونها من الانتصارات و هم الذين يتعرفون في ضوء النكسات علی نقاط الضعف في أنفسهم أو مخططاتهم، ويسعون رغم الجراح لتحقيق النصر النهائي بالقضاء علی مصادر الشرّ والطغيان بإرادة أقوى وإيمان أعلى،
فإذا لم تحدث الحوادث المؤلمة في حياة أمة من الأمم وتاريخها، لم تتميز الصفوف و لم يتميز الخبيث من الطيب، لأن الانتصارات وحدها تخدع و تغري وتصيب المنتصرين بالغفلة والزهو، بينما المصائب والخسائر المادية إنما تشكل عامل يقظة لمن أعدّ نفسه للشهادة في سبيل الدفاع عن الحق والإنسانية بروح التفاني، بل الأجمل أنها توجب ظهور القيم، وتثبتُ صدق الإيمان وتُعرف بها حقائق الرجال في خضم احتدام الصراع بين الحق والباطل.

١٥-ربيع الأول-١٤٤٦هجري
١٩-أيلول-٢٠٢٤ميلادي