الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ سنتين
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

تحرر العراق من سلطة الدولة العثمانية في ١١ اذار ١٩١٧ بواسطة الاحتلال البريطاني وهو بلد “متخلف” بكل المعايير، الاسلامية والعلمانية، الغربية والشرقية. ومتخلف في مختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية والتكنولوجية والتعليمية والصحية والخدمية وحقوق الانسان وغير ذلك.
ومنذ عام ١٩١٧ الى عام ١٩٦٠ لا اعرف شخصا عراقيا شغله “سؤال النهضة” بصورة جدية وعلمية ومعرفية شاملة اكثر من الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الذي تحدث عن الموضوع لاول مرة في مقالته الشهيرة ” الشرط الاساسي لنهضة الامة” في العدد الاول لمجلة “الاضواء” النجفية (٩ حزيران ١٩٦٠) والذي قال فيه:”إنّ الشرط الأساسيّ لنهضة الامّة- أيّ امّةٍ كانت- أن يتوفّر لديها المبدأ الصالح الذي يحدّد لها أهدافها وغاياتها، ويضع لها مثلها العليا، ويرسم اتّجاهها في الحياة، فتسير في ضوئه واثقةً من رسالتها، مطمئنةً إلى طريقها، متطلّعةً إلى ما تستهدفه من مثلٍ وغاياتٍ مستوحية من المبدأ وجودها الفكري وكيانها الروحي”.
ولما كان الاسلام هو “المبدأ الصالح” للنهضة بنظر محمد باقر الصدر فقد عكف في السنوات الاولى من حياته الفكرية على تعريف الناس بالاسلام وكتب العديد من المؤلفات في هذا الشأن من ابرزها: اقتصادنا وفلسفتنا والاسس المنطقية للاستقراء والبنك اللاربوي والاسلام يقود الحياة والتفسير الموضوعي للقران وغيرها.
هذا دون ان انسى الاهمية التاريخية لكتاب “تنبيه الامة وتنزيه الملة” الذي الفه الفقيه الكبير الشيخ محمد حسين النائيني باللغة الفارسية وطبع سنة ١٣٢٧ /١٩٠٩ . وكذلك الشذرات المهمة التي نثرها السيد محمد حسين الطباطبائي في كتابه الكبير “الميزان في تفسير الميزان” والاحتمال الكبير ان يكون السيد الصدر قد تأثر بهما واستفاد منهما.
وكان هاجس الصدر في هذا المقال، وكذلك في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب “اقتصادنا”، هو التخلف الحضاري الذي يعاني منه العراق شأنه شأن بقية بلدان العالم الاسلامي منذ الغزو المغولي لها. وكان همه ان يقدم للناس المركب الحضاري المناسب للقضاء على التخلف والسير بالعراق نحو النهضة.
واظهر الصدر في مجمل كتاباته ان وعيه للاسلام كان وعيا حضاريا، فضلا عن الوعي الديني له. ولهذا قال، على سبيل المثال، ان اقامة الدولة الاسلامية “ضرورة حضارية وشرعية”.
وبذا سجل الصدر سبقا على الاحزاب السياسية العلمانية والاسلامية التي نشطت منذ تأسيس الدولة العراقية حتى تاريخه. فقد انشغلت تلك الاحزاب بشعارات ايديولوجية لم تعر قضية النهضة والتخلف اهتماما كافيا: الحزب الشيوعي: الماركسية والمادية الديالكتيكية؛ حزب البعث: امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة؛ حزب الدعوة: الدولة الاسلامية وتطبيق الشريعة الاسلامية. ايٌّ من هذه الشعارات لم يطرح رؤية عن التخلف ولا رؤية عن النهضة. ومع ان تأسيس حزب الدعوة ينسب الى السيد الصدر، الا ان الذين تولوا امور الحزب بعد خروج الصدر لم تشغلهم قضية النهضة والتخلف كما شغلت تفكير الصدر. وكان هذا من اسباب ضياع فرص التغيير الحقيقي في العراق.
لعلنا نستطيع الان ان نعدد عدة فرص اتيحت للعراق للنهوض لكن نمط التفكير لأحزابه السياسية لم يسمح باستثمارها. احدى تلك الفرص كانت في السبعينات مع الارتفاع الكبير لاسعار النفط التي انتجت بطبيعة الحال ثروة هائلة كان بالامكان توظيفها في مشروع كبير للنهضة، لكن حزب البعث الحاكم انذاك كان مشغولا بترسيخ نظرية “القائد الضرورة” المتمثل بشخص صدام حسين والاستعارة النصية لبعض عبارات الماركسية ثم زج العراق بمغامرات حربية خارجية اكلت كل ثروة العراق. وأتيحت فرصة اخرى بعد سقوط نظام البعث، لكن الاحزاب التي ورثت الحكم انشغلت بتقاسم الارث بطريقة المحاصصة العرقية والطائفية والحزبية. وفي كل الاحوال لم يكن سؤال النهضة هو الشغل الشاغل لتفكير الذين تولوا الحكم خاصة في الفترة من عام ١٩٦٨ والى اليوم. بل كان شغلهم الشاغل امورا لا تمت بصلة الى قضية النهضة والتخلف وكيفية الخلاص من الثاني والطريق الى تحقيق الاول.
في كل مرة كان العراق يقف امام طريقين: طريق النهضة وطريق التخلف كان صناع القرار يسيرون في طريق التخلف وكأنهم لا يرون طريق النهضة. وفي كل مرة، وقد استغرق الامر ١٠٠ عام، كانت المليارات النفطية تضيع ، والسنوات الطويلة تهدر، ودماء العراقيين تسيل في حروب خارجية او صراعات داخلية لا علاقة لها بالمعركة التاريخية ضد التخلف والثورة الشاملة من اجل النهضة الحضارية.
يتبع