– ثنائيات العداوة في ذاكرة الشعوب – رحلة في زوارق دامية
علي عنبر السعدي ||
– لا دولة قوية – دون عدّو قوي .
– نحكم جيداً ،لتعيشوا جيداً .
– ضرورة العدو ، لاتقل عن أهمية الصديق.
– الأمم التاريخية – بين المنحنيات والمسارات .
النقيض يتغذى من نقيضه ويعتاش عليه، تلك مقولة تثبت صحيحها في عالم السياسة ، فالعدو – حقيقة أو اصطناعاً – ضروري لدعاوى التعصّب عموماً ، فلا خطاب دون عدو ، يمكن بواسطته لجماعة ما ،ان تحافظ على تماسكها وترويج خطابها ، كما يستطيع أيما نظام ،استثمار العدو لفعل الكثير مما يشاء ، وتبنى على وجود العدو مقولات وايديولجيات ، تؤطر كلها في شعارات تعبوية ، تشحن بعاطفة متأججة – دينية كانت او اثنية او ربما جهوية او جغرافية- .
للمدقق في منحنيات تاريخ التعصّب ، سيلحظ ظاهرة مفادها(لابد من عدو دائم)وغالبا ماحكم التاريخ العالم منذ القدم ثنائيا العداوة :الاشوريين /الباليون – الاسبارطيون /الاثنينيون – الفرس / الروم – المناذرة /الغساسنة – بريطانيا /فرنسا – الصين/ اليابان- الهند /باكستان- الاتراك/ والايرنيون – العرب /اسرائيل – والقائمة تطول.
لايشترط في هذه العداوات ان تكون مستعرة دائماً بمعارك وحروب ,بل قد تتخللها فترات طويلة من المهادنة والاستقرار، لكن يبقى كل طرف فيها ، ينظر الى الاخر بأنه عدو دائم الحضور، يمكن ان ينقض عليه عند ظهور اولى بوادر وهن أو غفلة.
وكلما كان العدو قريبا جغرافيا وقويا عسكريا وتحكمه دولة بنظام توسعي , كلما كانت النتائج المتحققة من وجوده اكثر فاعلية, وتمثل اسرائيل اقليمياً,نموذجاً واضحا على هذا الصعيد,انها اشبه ب(راجح) في مسرحية فيروز (بياع الخواتم) حين اتفق لصوص البلدة ان يمارسو السرقة والفساد وترويع الامنين ,ثم ينسبونها الى راجح .
هل يمنح وجود عدو قوي ,قوه في المقابل كي تخلق توازنا معه؟ أم يتخذ كذريعة من قبل الحاكم للفتك بالخصوم السياسين وحسب؟وهل يحقق أو يجمع الحاكم خلفه مايمكن من الحفاظ على تماسك الدولة ووحدة الشعب؟ أم يكون وجود العدو سبباً في تفتيت البلد وبعثرة مكوناته وانهاك ثرواته؟
لم تسر ثنائية (العدو اللازم)على وتيرة واحدة ، فقوة الاشوريين المتنامية ,لم تجعل الفراعنة يدركون الخطر الداهم الا بعد مرور وقت ليس قصير، تعرضت فيها دولتهم للانهيار, ومن ثم لم يعدّوا لمواجهته ,فتلهوا بأيمانهم ان فرعون هو اله لايهزم, كما استنفذ فراعنتهم موارد الدولة في تخليد انفسهم وبناء القبور الضخمة لهذه الغاية, فيما كان الملك الاشوري يشرف على اعداد جيشه بنفسه ، ليكون على رأسه في أية معركة يخوضها.
وفي وقت كان الفرس يعدون قوتهم بقيادة قورش, كان ملوك بابل منهمكين بتدبير المكائد لبعضهم وخوض صراعات مريرة على السلطة ، وصلت درجة أن يتعاون قائد الجيوش البابلي مع قورش ، لتخليص بابل من حكامها – كما تذكر المرويات التاريخية- وربما كان قورش أول من عمل بشعار (جئنا محررين لافاتحين)الذي سيتخذه الغزاة منهجا ، بما فيهم اولئك الذين عملو على (نشر الدين) حسب مابرروا به الاحتلالات والغزاة لشعوب، وأمم اخرى من أجل اخضاعها لدين واحد.
وفي وقت انشغلت فيه اثينا بإنتاج الفن والفلسفة والمنطق وبناء الجمهوريات الفاضله نظرياً ، كانت اسبارطة تبني قوتها العسكرية ، التي اجتاحت بها بلاد الاغريق بما فيها اثينا ,ولكن كما ذهب قورش وبقيت بابل خالدة بما انجزته ، كذلك ذهبت قوة اسبارطة وبقي خالدا ما انتجته اثينا من فكر وجمال وفن ونظام حكم ديمقراطي ، اما القبائل الجرمانية وبعض الشعوب الاسيوية التي ثارت ضد روما ، فقد انتهت ثوراتها الى ماليس كثيرا في نظر التاريخ ,فيما بقيت منجزات روما حاضره في ديمقراطيتها وفنونها وقوانينها وملاحمها واساطيرها.
استمرت الثنائيات المتعادية وواصلت حضورها عبر التاريخ ، فتطاحنت الامبراطوريتان الفارسية والبيزنطية وماتبعها من مملكتي المناذرة والغساسنة , ولم تقدّر اي منها مقدار الخطر الجاثم قريبا منهما ،المتمثل بأمّة ، بدأت بالتجمع والنهوض على دين عقائدي ،سيطيح بإمبراطورتيهما معا, ليس كحكم فحسب ,بل كديانتين تتبعها كل منهما,ومن ثم يحل محلها ديانة جديدة، اخذت منهما كذلك – وان في بعض التفاصيل- .
ثم دارت الازمنة ليحل التطاحن بين الصفويين والعثمانيين,كعدوين رئيسين بعد انهيار بيزنطة ,وقد استمرت الحرب بينهما سجالا طوال قرون,وما ان زالا ,حتى انبثقت في او ربا ثنائيات متعادية .
في كل تلك الصراعات ,كان العدو يحتل المقام الاول في الخطاب السياسي والتعبئة الوطنية ,يذكر الكاتب الروسي تشيخوف ان ثلاث من مدعيات السياسه اردن ان يثبتن له بانهن فعلا مهتمات بالثقافة السياسية,وكانت الحرب الروسية التركية على اشدها ,فسألنه وهن يتوقعن بما انه كاتب مشهور ,فلا بد ان يكون مهتما بالسياسة: مارايك يا سيد تشيخوف بالحرب الروسية التركية/فرد عليهن بسرعة وبسخرية: بشعة بشعة .
فقلن : ومن ينتصر برايك ؟فقال الذي يأكل اكثر.
كان ذلك مثالا على كيفية حضور العدو حتى في الحياة الاجتماعية, ومن ثم يصبح ذلك الحضور مقياسا للثقافة ومثارا للاهتمام صدقا أو ادعاء.
اطول حرب بين عدوين لدودين في التاريخ الحديث ابتدأت منذ بداية بداية النصف الاول من القرن العشرين ، واستمرت حتى العقد الاخير منه من دون ان تتخلها حرب مباشرة بل كانت معظمها بالنيابة.
انقسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية وانهيار الايديولجيتين النازية والفاشية في المانيا وايطاليا, فانتقلت العداوة الى المعسكر الاشتراكي واحزابه الايديلوجية الشيوعية من جهة ,والمعسكر الغربي بأنظمته الديمقراطية الليبرالية من جهة اخرى.
انضوى تحت المعسكر الاول معظم ماعرف يومها بحركات التحرر والانظمة الوطنية ، وكان الشرط الاساس لصفة الوطنية ان يكون المرء معادياً للامبريالية الامريكية والرأسمالية العالمية، باعتبارها عدوة الشعوب وسالبة حريتها وناهبة خيراتها.
سجلت الاشتراكية بواسطة حركات التحرر ,مجموعة من الانتصارات العسكرية على الرأسمالية والامبريالية حسب تصنيفات تلك الازمنة ، كان أهمها معركتا ديان بيان فو التي خاضها الفيتناميون بقيادة الحزب الشيوعي وقائده الشهير هوشي منه ،ثم بعدها بسنوات معركة سايغون التي استطاع فيها الشماليون الحاق هزيمة كبرى بالجيش الامريكي وحليفه الفيتنامي الجنوبي ،مازالت اثارها تتردد الى اليوم ،كذلك انتصرت مجموعة من حركات التحرر في جمهوريات امريكا اللاتينية التي كانت تعتبر الحديقة الخلفية لزعيمة الامبريالية (اميركا)فانتصر كاستر بكوبا والساندينيون في نيكاراغو وسيلفادور اليندي في تشيلي وغيرها ,فبدا ان الامبريالية (نمر من ورق)كما قالها واحد من كبار قادة الشيوعية (ماوتسي تونغ)الذي كان يقود الدولة الاكبر في العالم ، لكن تبين لاحقا ان تلك الانتصارات كانت مجرد تفصيل في معركة كبرى ، فالعدو الرئيس الذي استند عليه الخطاب الايديلوجي في المعسكر الاشتراكي حيث شحنت عقول واستنهضت همم – بل وصودرت حريات واقتصاديات وبناء- وجثمت انظمة شمولية دكتاتورية على صدور شعوبها طويلاً ، كان يعد لمعركة ستنسف البناء المقابل وتطيح بالمعسكر الاشتراكي في قواعده الرئيسة.
لكن الصورة لم تكن واضحة المعالم تماماً في تلك المعارك والحروب – الباردة منها والساخنة- فالمعسكر الغربي الديمقراطي دعم ومازال انظمة ملكية شمولية، ماكانت تسمح بأي نوع من المعارضة او حرية الرأي ،كذلك ساند انقلابا على أنظمة منتخبة ديمقراطياً كما حدث تشيلي .
الاشتراكية التي كسبت بعض معاركها ، تلقت ايضاً هزائم منكرة ، فقد انهارت الجيوش المصرية والسورية ومن ساندها (عراقية – جزائرية)في حرب حزيران 1967 ، ومن ثم سجلت هزيمة على انظمة وطنية كانت تربطها علاقات متينة بالمعسكر الاشتراكي وتعتمد في تسليحها ودعمها السياسي والعسكري عليه بالدرجة الاولى.
انهار نظام جمال عبد الناصر الحليف الاقوى في المنطقة ، ثم مات بعدها بسنوات قليلة ، ليذهب خليفته انور السادات الى الكنيست ويوقع اتفاقات ماعرف بكام ديفيد ، بعد ان اعترف بان لايمكن هزيمة دولة تقف امريكا بجانبها بقوة ، ثم توالت نكسات الانظمة الوطنية تباعاً ، وعانت من ازمات داخلية حادة ، دفعتها للجوء الى قمع سافر ، جعلها تتخبط في سلوكياتها ومن ثم ترتكب المزيد من الاخطاء والتراجع على اصعدة عدة ، بعد ان اخفقت معظم الشعائر السياسية التي رفعتها ، مرفقه بفشل اقتصادي على اكثر من جانب.
بعدانهيار الاتحاد السوفيتي تيتمت الانظمة الوطنية وازدادت أزمتها تفاقما، فتورط بعضها بحروب عبثية تعامل فيها مع الامبريالية ، فيما انهار الحليف الاكبر للغرب نظام الشاه في ايران بيد ثوره اسلامية اعلنت عدائها الصريح لأمريكا وحلفائها وكان الحليف الاسيوي الاكبر للمعسكر الاشتراكي (الهند) قد انتصرت في اكثر من معركة ضد حليف الغرب الاسيوي الاول باكستان .
وهكذا تساجل الطرفان في الانتصار والخسارة، أما في الجانب الاقتصادي والعلمي ، فقد بقيت الكفة تميل الى جانب الغرب وبوتائر شبه ثابتة ،كان من نتائجها ان انهارت قلاع الاشتراكية واحدة تلو الاخرى، بدأ من الاطراف القوية، وتحديدا العاصمة التي كانت بمثابة رمزا للحلف التابع للاشتراكية وارسو عاصمة بولندا ، حيث نجحت حركة التضامن فيها بقيادة عامل يدعى ليخ فاليسا من الاطاحة بالنظام الاشتراكي بعد قيادة حركة مناهضة لما يفترض انه حزب يمثل الطبقة العاملة ، وكما في احجار الدومينو ، تساقطت بلدان حلف وارسو تباعا ، وصولا الى الضرب في القلعة الاكبر الاتحاد السوفيتي ، الذي تمزق الى جمهوريات ثم ضربت الانشقاقت روسيا ذاتها وهي الاكبر من بينها .
الصين (الاقطب الاكبر الاخر للشيوعية)بقيت بمعزل عن التغيير، بعد ان اختطت لنفسها نهجاً خاصاً يعتمد على قاعدة (نحكم جيداً – لتعيشوا جيداً ) اي انها اعتمدت على تطور اقتصادي متوازن ، جعل شعبها يعيش وضعاً مريحاً نسبياً ، قياساً بحجم سكانها الهائل ، فقدمت له خدمات أساسية ،مقابل عدم الانشغال بمناهضة النظام ، بعد ان جرب ذلك في حركة ميدان تيان بيان ولم ينجح ,كما نجحت كوبا وفيتنام في الابقاء على نظاميهما ,اما كوريا الشمالية فمازالت محاصرة رغم مشاغباتها النووية وماتثيره من مشكلات ضد جارتها الجنوبية الاكثر تطوراً تقنيا واقتصادياً وسياسياً .
في المنطقة العربية وما حولها وجدت كل دولة وحركاتها عدوا تتكئ عليه واستمدت مبررات وجودها من وجوده ، فاتخذت السعودية من الخطر الايراني-الشيعي منطلقا تعبوياً محورياً لسياستها ومجمل خطابها، وتكفلت بذلك وسائل اعلامها ومشايخها والحركات العنيفة التي تستند اليها كمصدر قوة لها بداية.
اما ايران فقد بقي العدو الرئيسي واحد لم يتغير منذ انتصار ثورتها عام 1979 ,امريكا (الشيطان الاكبر) و ربيبتها اسرائيل .
الحركات اليسارية القومية والماركسية ، تراجعت بشكل واضح عن النظر الى الامبريالية العالمية باعتبار عدائها مقياسا للثورية ، لتحل محلها الحركات والاحزاب الاسلامية – الشيعية خصوصا – في رفع شعار محاربة امريكا والصهيونية. يلاحظ ان جميع هذه الاحزاب والحركات تربطها بائران علاقة اديلوجية وسياسية ،حتى لتبدو ان تلك الحركات لاتستطيع الفكاك من ايجاد العدو ذاته ، لو اتخذت المعركة وجهة اخرى ضد عدو داهم اكثر قسوة و خطرا كالإرهاب مثلا ، اذ يمكن القول دائما ان امريكا واسرائيل هي من يدعم الارهاب ويقويه كجزء من مؤامرة استكبارية على الامة.
لكن هل يمكن تجنب الاجابة على اسئلة من نوع: هل امريكا تستطيع تعبئة الانتحاريين بقناعة قاطعة ان الجنة والحوريات بانتظارهم؟ هل هي من يمدهم بالدعم الفقهي والاعلامي والبشري ؟ واذا كان للدول حسابها السياسي ومصالحها ، ما قد يجلعها تخفف او تتجنب كشف الحقائق في مرحلة ما ,فهل ينعكس ذلك على الحركات العنفية بذات الدرجة؟.
لاشك ان الارهاب لايشكل عدوا تعبويا جاذباً كما هي امريكا والصهيونية ، اذ يمكن القول انه هذه الحركات لاتمثل الاسلام، وانها منحرفة عن تعاليمه السمحاء ، بل هي تنفذ مؤامرة خارجية الخ .
امريكا بعد زوال العدو الشيوعي ، برزعدو اخر اشد خطرا هذه المرة(الارهاب الاسلامي)لاشك ان المعركة معه ستكون اصعب واكثر عنفاً ، لا نه قد يضربها في العمق كما حدث في ايلول عام 2001، الا انها هذه المرة ، تقود معظم العالم في معركتها ، بصرف النظر عن حماسة بعض الدول او تلكؤها في تلك المعركة ، لكنها على الاقل لن تجد عالما منقسما سياسيا حول ضرورة مكافحة الارهاب ، كما كان الامر عليه ايام العدو الشيوعي.
ماهو متوقع ان امريكا ستبقى عدواً رئيسا لكافة الحركات الاسلامية الشيعية خصوصا على صعيد الخطاب التعبوي والشعارات الثورية ، اذ لاتستطيع التخلي عن عدو نموذجي كهذا، بإمكانه ان يوفر معطيات كافية للاستمرار لدى هذه الحركات .
اما الاصوليات السنية والاحزاب القومية ، فيبدو ان المنظمات الارهابية ،لايشغلها سوى موضوع العداء المذهبي (الرافضة) درجة قد يأتي انتحاري من غزة لتفجير نفسه في العراق ،رغم ان الجيش الاسرائيلي لايبعد عنه سوى امتار ,فيما تتأرجح الحركات الاخرى بين طلب التعاون مع امريكا او اتهامها بالمؤامرة على شعوب الشرق ، ومن ثم دعم الانظمة الدكتاتورية او العمل على ابقائها حسبما تتطلب المصلحة الامريكية (الانانية).
وهكذا يظهر ان العدو في عالم السياسى قد لايقل شأناً في بعض الحالات عن الصديق الداعم والمساند ,هذا ماشهده التاريخ البشري على امتداد عصوره.
ـــــــــــ




